فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 581

الأَحْكَامُ في الدُّنيا على الظَّاهر، والباطن يُوكَلُ إلى الله؛ فيخرج الرَّجلان من المسجد وكلاهما أدَّى الصَّلاةَ، لَكِنْ مَنْ عَمَلُهُ لله وَمَنْ عَمَلُهُ لغير الله؟ اللهُأَعْلَمُ بذلك.

قال بعضُ العلماء: «قَدْآلم القلبُ إنِّي جاهلٌ مالي عند الإله؟ أَرَاضٍ هو أَمْ قَالٍ؟» وإنَّ ذلك مَخْبُوءٌ إلى يوم اللِّقاء، وَمَقْفُولٌ عليه بِأَقْفَالٍ.

تصوَّر رجلبن يصلِّيان خَلْفَإِمَامٍ، وَيَقِفَانِ بِجِوَارِ بعضٍ، أَحَدُهُمَا تَصْعَدُ صَلاتُه، ُ ولها نُور، ٌ وَتُفَتَّحُ لها أَبْوَابُ السَّماء، وتدعو لصاحبها، وينال بها رِضْوَانَ الله وثوابه وَجَنَّتَهُ، والآَخَرُ مِثْلُهُ تَصْعَدُ صلاتُهُ سَوْدَاءَ، ولا تُفْتَحُ لها أَبْوَابُ السَّماء، وتدعو على صاحبها، وَتُلَفُّ، وَيُرْمَى بها في وَجْهِهِ.

والسَّبَبُأنَّ الأوَّلَ أَقْبَلَ على صلاته، وصلَّى لله، واتَّقى اللهَ، وَعَظَّمَ اللهَ بِقَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ، والآخر صلَّى لغير الله، ولم يُعَظِّمِ اللهَ، ولم يَتَّقِ اللهَ في صلاته، فلم تَنْفَعْهُ بِسَبَبِأَنَّ قَلْبَهُ فَاسِدٌ، وَنِيَّتَهُ ليست طَيِّبَةً.

رجلان أَظْهَرَا الإسلامَ، أَحَدُهُمَا صَادِقٌ، والآَخَرُ كَاذِبٌ، فالحسابُ في الآخرة يَكُونَ على ما في القلوب.

أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بهم النَّارُ ثَلاثَةٌ؛ لمَّا كان عَمَلُهُمْ لِغَيْرِ الله، أَصْبَحَ لا قِيمَةَ له في الآخرة، لكن في الدُّنيا مَثَلُهُمْ مَثَلُ غَيْرِهِمْ.

قوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} : فَذَكَرَ عِلْمَهُ، والمرادُ به لازِمُهُ، وهو الجَزَاءُ؛ فاللهُ خَبِيرٌ بِعِبَادِهِ، وَمُحِيطٌ عِلْمُهُ بهم في كلِّ وَقْتٍ، وليس معنى الآية أَنَّ عِلْمَهُ مَحْصُورٌ بهم يَوْمَ القيامة، لكنَّ المعنى يَظْهَرُ في ذلك اليَوْمِأَثَرًا وَنَتِيجَةً.

عِلْمُ الله فيهم؛ فهو مُطَّلِعٌ عليهم وعلى أحوالهم في الدُّنيا والآخرة، وَلَكِنْإيذانًابالجزاءوأنَّه يجازيهمفي ذلك اليوم بما يعلمه منهم؛ فَذَكَرَ العِلْمَ والمرادُ لازمُه الجَزَاءُ.

قوله: {لَخَبِيرٌ} أَيْ: لَمُطَّلِعٌ على خَفَايَا أمورهم؛ فهناك فَرْقٌ بين مُزَارِعٍ، وَخَبِيرٍ زِرَاعِيٍّ؛ الخَبِيرُ يعرف الأرض الَّتي تصلح، والَّتي لا تصلح وغيرها، و فيه حَثٌّ للمسلم على صلاح قَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ.

سُمِّيَتْ بالقارعة؛ لأنَّها تَقْرَعُ القلوبَ والأَسْمَاعَ بأهوالها؛ فهي قَارِعَةٌ عَظِيمَةٌ لا نَظِيرَ لها.

هذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُتَتَحَدَّثُ عن ثلاثة أُمُورٍ:

عن القيامة وأهوالها، وما فيها من أَحْدَاثٍ عِظَامٍ، وعن الموازين الَّتي توزن بها أعمالُ النَّاس، وعن انقسام النَّاس إلى سُعَدَاءَ وَأَشْقِيَاءَ.

قوله: {الْقَارِعَةُ} :هو يَوْمُ القيامة، وَسُمِّيَ بالقارعة.

القَارِعَةُ اسْمٌ مِنْأَسْمَاءِ يَوْمِ القيامة، وَسُمِّيَتْ بالقارعة؛ لأنَّها تَقْرَعُ القلوبَ والأَسْمَاعَ بأهوالها وَشِدَّتِهَا.

وَلِيَوْمِ القيامة أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، وهذه الأسماءُ تَدُلُّ على شِدَّتِهِ وَأَهْوَالِهِ، ولا يعلم ما في ذلك اليَوْمِ مِنْأَهْوَالٍ إِلاَّ اللهُ، وحذَّرنا ربُّنا من شَرِّ ذلك اليوم؛ ليستعدَّ العبادُ له.

فإنَّه لا يُنْجِي مِنْأَهْوَالِهِ إِلاَّ الإيمانُ والأعمالُ الصَّالِحَةُ؛ فقد أَرْشَدَنَا اللهُ إلى التَّقوى؛ فالمَخْرَجُ من القارعة والزَّلزلة هو تَقْوَى الله؛ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} .

فَمَنْأَتَى بالتَّقْوَى في ذلك اليوم؛ فلا يخاف حِينَ يَخَافُ النَّاسُ، ولا يَحْزَنُ حينما يَحْزَنُونَ، ولا يَفْزَعُ حينما يفزعون.

وهو على الكافرين عَسِيرٌ وَغَيْرُ يَسِيرٍ؛ لأنَّه ليس معهم زَادٌ يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ هَوْلِ هذا اليوم، وعاشوا في غَفْلَةٍ عن هذا اليوم، ومنهم من لا يأتي له على بالٍأَصْلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت