فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 581

وقد جاء هذا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بن عبَّاسٍ عند أبي شَيْبَةَ وابْنِ أبي حاتم: «مَنْ عَادَى في اللهِ وَوَالَى فِي اللهِ، فَإِنَّهُ لَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللهِ إِلاَّ بِذَلِكَ» .

ولايةُ الله الحقيقيَّة كما في حديث البراء «أَوْثَقُ عُرَى الإيمان؛ الحبُّ في الله، والبغضُ في الله» رواه أحمد و ابن أبي شيبه. فَنُحِبَّ من يحبُّ الله، وَنُبْغِضَ من يُبْغِضُ الله.

ولا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ إِلاَّ بالبراءة من الكفر وَأَهْلِهِ؛ {إِنَّا بُرَأَئُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .

سُمِّيَتْ بذلك؛ للحَدَثِ التَّاريخيِّ العظيم بِنَصْرِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أَهْلِ مَكَّةَ، وكان فتُحها بدايةً لدخول النَّاس في دين الله أفواجًا.

هذه السُّورَةُ العظيمةُ الجليلةُ الموجَزةُ مع اختصارها، فَهِيَ تَشْتَمِلُ على معانٍ جَلِيلَةٍ؛ فَفِيهَا بِشَارَةٌ، وفيها إشارتان:

أمَّا البشارةُ؛ فهي الإخبارُ بِفَتْحِ مَكَّةَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وقد وَقَعَ، وهو من معجزات القرآن؛ الإخبار بأنَّه سَيَأْتِي نَصْرٌ، فَكَانَ فَتْحَ مَكَّةَ، أَعَزَّ اللهُ به المسلمين، وانتشر الإسلامُ.

وأمَّا الإشارتان؛ فهما الإشارةُ إلى استمرار نصر الدِّين حتَّى وصل الإسلامُ إلى ما وصل إليه.

عن تميمٍ الدَّاريِّ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ» . رواه أحمد.

والإشارةُ الثَّانِيَةُ إلى دُنُوِّ أَجَلِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وأنَّه بَقِيَ عَلَيْهِ عُبُودِيَّةُ التَّسْبِيحِ والاستغفار؛ تَوْفِيَةً وَتَرْقِيَةً؛ لأنَّ التَّبْلِيغَعِبَادَةٌ قَدْأَكْمَلَهَا، فَشُرِعَ له الاسْتِغْفَارُ عُقَيْبَهَا.

فَخُتِمَتِ السُّورَةُ بِمَا تُخْتَمُ به الأَعْمَار، ُ والأَعْمَالُ، والمَجَالِسُ، التَّسْبِيحِ والاسْتِغْفَارِ.

قوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} : الخِطَابُ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأُمَّتُهُ تَبَعٌ لَهُ.

أَيْ: نَصَرَ اللهُ دِينَهُ وَرَسُولَهُ عَلَى أَعْدَائه، فَفَتَحَ مَكَّةَ؛ لأنَّأَلَدَّأَعْدَاءِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَهْلُ مَكَّةَ.

فَفَتَحَهَا في رمضانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ للهجرة، ففتح اللهُ بَيْنَهُ وبين قَوْمِهِ، وَجَعَلَ لَهُ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «المُرَادُ بالفتح هاهنا فَتْحُ مَكَّةَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ فإنَّ أَحْيَاءَ العَرَبِ كَانَتْ تَتَلَوَّمُ بإسلامها فَتْحَ مكَّة ويقولون: «اتركوه وقومَه؛ فإنَّه إن ظَهَرَ عليهم فهو نبيٌّ صادقٌّ» فَلَمَّا كانت وَقْعَةُ أَهْلِ الفتح بَادَرَ كلُّ قَوْمٍ بإسلامهم.

بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - ومكث ثلاثةً وعشرين سنةً، فدعا إلى الله، وجاهد في سبيل الله، وكانت الأيَّامُ بينه وبين أعدائه دُوَلًا؛ نَصْرًا وَهَزِيمَةً.

سُنَّةُ الله .. وكان في بداية أمره يدعو في مكَّة دعوةً بلا جهادٍ؛ لأنَّ حَالَةَ المسلمين لا تتحمَّل الجهاد في مكَّة، فكان مقتصرًا على الدَّعوة رَغْمَ ما يلقى من المعارضات والمضايقات له ولأصحابه.

ثمَّ هاجر وأُخْرِجَ من مكَّة ثالث ثلاثة، وهاجر إلى المدينة، وَبَعْدَ سِتِّ سَنَوَاتٍ خَرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بألفٍ وأربعِمِائَةِ رجلٍ من المدينة يريدون العمرةَ في السَّنة السَّادسة من الهجرة، لم يكن مع هذا الجَمْعِ المبارَك من السِّلاح إلاَّ السُّيوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت