سورةٍ مبارَكةٍ ميمونةٍ مِنْ قِصَارِ السُّوَرِ تتحدَّث عن ركنٍ من أركان الإيمان، أَلَا وهو الإيمانُ باليوم الآَخِرِ؛ لأنَّه أَصْلُ الإيمان.
جَعَلَهَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - تَعْدِلُ نِصْفَ القرآن. ففي «التِّرمذيِّ» : « {إِذَا زُلْزِلَتِ} تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ» . وفيه ضَعْفٌ؛ لأنَّ القُرْآَنَ شِطْرَانِ؛ شِطْرٌ عن الدُّنيا وما يتعلَّق بها، وَشِطْرٌ عن الآخرة وما يقع فيها.
فكانتالزَّلزلةُتتحدَّث عن الآخرة، وما يكون فيها من أحوال الأرض، وسكَّانها يَوْمَ القيامة، فكانت تَعْدِلُ نِصْفَ القرآن.
فَلَوْ لم يؤمنْ الإنسانَ باليوم الآخِرِ، وبالجنَّة، والنَّار، و أنَّه لا بَعْثَ بَعْدَ الموت، فَمَا فَائِدَةُ العمل؟
فإذا أنكروا البَعْثَ، فإنهم يفعلون ما يشاءون؛ لأنَّ النَّفْسَ لن تتغيَّر إلاَّ إذا خَافَتْ من الله واليَوْمِ الآَخِرِ.
يَقُولُ بَعْضُ العلماء: «واللهِ مَا مِثْلُ التَّذْكِرَةِ بالآَخِرَةِ فِي صَلاحِ القُلُوبِ» .
الأمر ليس بالسَّهل؛ أمامنا أهوالٌ عظيمةٌ لا يعلمها إلاَّ اللهُ.
يقول نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم: «وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» متفق عليه.
هذه السُّورةُ هي سورةُ الزَّلزلةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لافتتاحها بذلك.
هذه السُّورةُ العظيمةُ الجَلِيلَةُ تتحدَّث عن الزِّلْزَالِ العظيم بين يدي السَّاعةِ، فيندكَّ كلُّ صَرْحٍ شَامِخٍ، فلا يبقى على الأرض بُنْيَانٌ، ولا جبلٌ، ولا مَعْلَمٌ، إلاَّ انْهَدَّ فَتُرَجَّ الأرضُ رَجَّةً شَدِيدَةً.
ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن سبب الزَّلْزَلَةِ؛ لتخرج الأرضُأثقالَها، وتحدِّث الأرضُأخبارَها.
ثمَّ خُتِمَتِالسُّورَةُ بأن يرى النَّاسُ نَتَائِجَ أَعْمَالِهِمْ، وَانْصِرَافِ الخلائق من أرض المحشر إلى الجنَّة أو النَّار.
إذا تبيَّن هذا كلُّه، فالله خَلَقَ هذا الكون بما فيه، وَخَلَقَ كلَّ شَيْءٍ لِحِكْمَةٍ، وَهَدَاهُ لَمَّا خَلَقَهُ له، وَخَلَقَ الإنسَ والجِنَّ لِعِبَادَتِهِ، وَكَلَّفَهُمَا بِمُهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ؛ عِبَادَةِ اللهِ؛ فَجَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا، وَالأَرْضَ فِرَاشًا، وَالجِبَالَ رَوَاسِيَ، وَالشَّمْسَ والقَمَرَ نُورًا، والنُّجُومَ ليهتدوا بها، والأنعامَ منها رَكُوبُهُم، وفيها منافعُ ومشاربُ، والنَّباتات.
فمنهم مَنْ آَمَنَ وَقَامَ بِمُهِمَّتِهِ، ومنهم من ترك عبادتَه، وعبدوا من لا يَخْلُقُ، وَلا يَرْزُقُ، ولا يَنْفَع، ُ ولا يَضُرُّ.
وَمَنْ هذه صِفَاتُهُ لا يستحقُّأَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا!
وَبَيَّنَ - سبحانه- صِفَاتِهِ، وَأَسْمَاءَهُ، وَأَفْعَالَهُ، وأنَّه المُتَفَرِّدُ بالخَلْقِ، والرِّزْقِ، والتَّدْبِيرِ؛ فمن كان عنده عَقْلٌ قَادَهُ للحَقِّ.
تَصَوَّرْإِنْسَانًا كُلَّمَا طَالَبْتَهُ؛ أعطاك، وينفق عليك، ويحسن إليك، وإنسانًا آَخَرَ لا ينفق عليك، ولا يُحْسِنُإليك، وكلَّما طالبتَه شيئًا لا يعطيك، مَنْ يَسْتَحِقُّ الطَّاعَةَ والمحبَّة والتَّعظيم؟
ومع هذا كلِّه يعرفون اللهَ - تعالى - وأنَّه الخَالِقُ والرَّازِقُ، ولكن لا يريدون الحقَّ ولا الهِدَايَةَ.
فما دام الإنسانُ قَائِمًا بمهمَّته في الدُّنيا -وهيطاعةالله- فإنَّالكَوْنَموجودٌ.
وإذاتخلَّاعنالمهمَّة، دَمَّرَاللهُهذاالكَوْنَكلَّه؛ ولذلكفيآَخِرِعُمُرِالدُّنياإذاتخلَّاالنَّاسُعن المهمَّةالَّتيخُلِقُوامنأَجْلِهَا، دُمِّرَالكونُ، فَيُرْسِلَرِيحًاتَقْبِضُرُوحَكلِّمؤمنٍ، فَيَبْقَاشِرَارُ النَّاس.
ففي الحديث: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ، وَأَحْلامِ السِّبَاعِ، فَيَتَمَثَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولَ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ فَيَقُولُونَ: مَاذَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَصْنَامِ» رواه مسلم بألفاظ مختلفة.
وَهِيَ دَارُ رِزْقِهِمْ وَحُسْنِ عيشهم. وفي الحديث: «إِنَّ شِرَارَ النَّاسِ مَنْ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السَّاعَةُ وَهُمْأَحْيَاءٌ» رواه أحمد.