وفي نفس الوقت ليس النَّظَرُ إلى أيِّ عَمَلٍ؛ إِنَّمَا العِبْرَةُ بصلاح العَمَلِ، وصلاحُهُ بالإخلاص، والموافقة لهدي نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: {أُولَئِكَ} : أَيِ المُتَّصِفِينَ بالإيمان والعمل الصَّالح، وفيها إشارةٌ إلى علوِّ مَنْزِلَتِهِمْ عند الله.
قوله: {هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} :تُقْرَأُ بالهمز والياء؛ فعلى قراءة الهمز معناها خُلِقُوا من ترابٍ؛ وهم البَشَرُ؛ أَيْ: خَيْرَ البَشَرِ.
وعلى قراءة الياء يكون المعنى خَيْرُ الخليقة هم المؤمنون؛ فهم خَيْرُ الخليقة على العموم دُونَ النَّظَرِ إلى ثَرْوَةٍ، أو حضارةٍ، أو صناعةٍ، أو علمٍ، إنَّما النَّظَرُ إلى عَمَلِهِ الطَّيِّبِ وهو الإيمان والعمل الصَّالح.
واستدلَّ بعضُ العلماء على أنَّ صَالِحِي بَنِي آَدَمَأَفْضَلُ من الملائكة على وَجْهِ العموم.
ولا يُقَالُ فُلانٌأَفْضَلُ مِنْ جِبْرِيلَ؛ لأنَّ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ تَفَاضُلًا وتفاوتًا بين أهل الإيمان، لكن على وجه العموم يمكن أن يقال أفضل من الملائكة.
قوله: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} :هنا يُبَيِّنُ ثوابَ عملهم في الآخرة.
قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} : ليس جَنَّةً وَاحِدَةً.
{عَدْنٍ} بِمَعْنَى الإقامة الحَسَنَةِ؛ أَيْ: إِقَامَةً دَائِمَةً، لا يَرْحَلُونَ عنها، ولا يخرجون، في نعيمٍ وسرورٍ، تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهارُ، ولا يمرضون، ولا يموتون، ولا يحزنون.
قوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} :فَقَبِلَ أعمالَهم الصَّالحة، وأعطاهم الرِّضا، فلا يَسْخَطَ عَلَيْهِمْأَبَدًا.
أعطاهم اللهُ أعظمَ مِنْ نعيم الجنَّة رضوانًا من الله أكبر.
قوله: {وَرَضُوا عَنْهُ} :أي بما أعطاهم اللهُ من الخيرات؛ فلا تتطلَّع نفوسُهم إلى زيادةٍ، ولا حسدَ بينهم، ولا تقاطعَ.
-فائدةٌ مهمَّةٌ: عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فَضَلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالخُلُقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ» . متَّفقٌ عليه.
وعند الإمام مسلمٍ في «صحيحه» عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُأَلاَّ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ» . كما رواه غَيْرُهُبِلَفْظِ: «انْظُرُوا إلى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» .
وفي روايةٍ: «نِعْمَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» .
والنَّاسُ في الدُّنيا قسمان بالنِّسبة إليك، دونك وأعلى منك.
والمعنى: انظر في أمر دنياك لمن هو دونك، وانظر في أمر آخرتك لمن هو فوقك.
أَرْشَدَ - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الدَّواء العجيب، والسَّبَبِ القويِّ؛ لشكر نِعَمَ الله.
وهو أن يلحظَ العبدُ في كلِّ وقتٍ مَنْ هو دُونَهُ في العقل، والنَّسب، والمال، وأصناف النِّعَمِ.
أمَّا أَمْرُ الدِّين: فينظر المرءُ لمن هو أعلى منه، فيحاول أن يسبق الخَلْقَ إلى الله؛ لأنَّ اللهَأَمَرَنَا بالمسابقة، والمسارعة، والمنافسة فيما عنده، فَعُكِسَ الأمرُ؛ فصار تنافسُهم في الدُّنيا الدَّنيَّة وحظوظها الفانية.
قال الشِّنْقِيطِيُّ صَاحِبُ «أَضْوَاءِ البَيَانِ» : «أَنَا خَائِفٌ على نَفْسِي، جئتُ من بلادي بكنزٍ عظيمٍ جدًّا، والآن أخشى عليه الضَّياع» .
فقال له عطيَّةُ سالمٍ تلميذُه: وما هو هذا الكنز يا شيخ؟! قال: «هو كنز القناعة، كنت قانعًا بكلِّ ما يكون في حياتي، وجدت أو لم أجد، كلُّه عندي سواءٌ» .
قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} :أَيْ خَافَهُ وَعَمِلَ بطاعته؛ فهي طاعة الله، وترك معاصيه، والخَشْيَةُ طريق الرِّضا؛ وإنَّ الَّذين يخشون الله- تعالى - هم خَيْرُ البَرِيَّةِ.