فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 581

قوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} :التَّوْحِيدُ هُوَ دِينُ الرُّسُلِ .. هذا حَصْرٌ؛ ما أُمِرُوا إلاَّ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ؛ أَنْ تَكُونَ العِبَادَةُ لله، فَلا يَصِحُّأَنْ يَعْبُدَ اللهَ وَمَعُهُ غَيْرُهُ، إنَّما أُمِرْنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ، وَنُخْلِصَ له العبادةَ.

وهذا لا يستوجب التَّفَرُّقَ في أَمْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - لأنَّ ما يدعو إليه وَاضِحٌ وَمَوْجُودٌ في كتبهم؛ {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} .

فَنَهَى- سُبْحَانَهُ -أَنْ يَكُونَأَمَرَ عِبَادَهُ بِغَيْرِ العبادة الَّتي أَمَرَ عِبَادَهُ بها، وهي أَنْ يُخْلِصَ العَامِلُ النِّيَّةَ لِرَبِّهِ، ومن لم يخلص العبادة لله فلم يفعل ما أُمِرَ به؛ فلا عَمَلَإلاَّ بِنِيَّةٍ، ولكلِّ امْرِئٍ ما نوى؛ فَمَنْ لَمْ يَنْوِ العَمَلَ لله، أو عَمِلَ عملًا لم يُؤْمَرْ به؛ فلا يكون متقرِّبًا إلى اللهِ.

قوله: {حُنَفَاءَ} الحَنِيفُ: هو المَائِلُ عن البَاطِلِ، المُقْبِلُ على الحقِّ، والحنيفيَّةُ هي التَّوحيدُ.

قوله: {وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} : لماذا خصَّهما؟ لأهمِّيَّة هذين الرُّكْنَيْنِ، وَيَبْعَثَانِ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.

فالصَّلاةُ تَنْهَى عن المُنْكَرِ، ومن أَقَامَهَا؛ أَقَامَ دِينَهُ، وأدَّى حُقُوقَ الله، والزَّكاةُ تُطَهِّرُ من الشُّحِّ والبخل، ومن أدَّاها؛ أَدَّى جميعَ الحقوقِ.

قوله: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} :أَيِ المِلَّةَ المستقيمة.

فَمَنْ عَبَدَ اللهَ مُخْلِصًا له الدِّينَ، وَأدَّى حقَّ الله، وحقوقَ عباده؛ فهو على المِلَّةِ المستقيمة.

قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} . أَهْلُ الكتاب من اليهود والنَّصارى لم يؤمنوا بالله، ولا آمنوا برسلهم، وإن كانوا أَهْلَ كتابٍ.

فقد بشَّر موسى - عليه السلام - بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمَرَهُمْ بالإيمان بِمُحَمَّدٍ، وَبَشَّرَ كَذَلِكَ عِيسَى بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَصِفَتُهُ مكتوبُهم عندهم.

وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءَهم، ولكن حرَّفوا كتابَ الله، واتَّبعوا أَهْوَاءَهم، فكانوا كفَّارًا، وَجُرْمُهُمْ عَظِيمٌ؛ لأنَّ عِنْدَهُمْ عِلْمًا.

{وَالمُشْرِكِين} مَعْطُوفَةٌ على الَّتي قَبْلَهَا، وتأتي منصوبَةً ومجرورةً، والمرادُ عَبَدَةُ الأوثان من غير أهل الكتاب، وكلُّهم كفَّارٌ؛ لأنَّ شريعةَ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - نَاسِخَةٌ لجميع الشَّرائع الَّتي قَبْلَهَا.

وَمَآَلُهُمْ وَمَصِيرُهُمُ النَّارُ مِنْ كَفَرَةِأَهْلِ الكتاب، وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ.

قوله: {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} :الحُكْمُ إذا قُرِنَ بِوَصْفٍ، فَدَلَّ على سبب خلودهم؛ أَيْ: مصيرُهم ومآلُهم نَارُ جَهَنَّمَ.

ففي الحديث عند مسلمٍ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» .

قوله: {أُوْلَئِكَ} : إِشَارَةٌ إلى انحطاط منزلتهم عند الله؛ أَيِ المتَّصفين بالكفر من كفرة أَهْلِ الكتاب وَعَبَدَةِ الأوثان.

قوله: {شَرُّ البَرِيَّةِ} :قُرِئَتِ البَرِيَّةُ بالهمزة وبالياء.

فعلى قراءة الهمز إِنْ أُخِذَتِ البَرِيَّةُ من البراءة بفتح الباء والرَّاء - أي التُّراب - والمعنى شَرُّ بني آدم، وعلى قراءة الياء البَرِيَّةُ أي: شَرُّ الخليقة.

ومع الأسف يستدلُّ بعضُ ضعاف الإيمان على خيريَّة الكفَّار بما هم عليه من زهرة الدُّنيا وحضارةٍ وثروةٍ.

اللهُ وَصَفَ كُلَّ كَافِرٍ بأنَّه مِنْ شَرِّ الخليقة، وإن كان عندهم صِنَاعَةٌ وَثَرْوَةٌ وَحَضَارَةٌ.

لَكِنْ هُمْ شَرُّ الخليقة بسبب كفرهم بالله، وعدم عملهم بكتاب الله.

وفيها أنَّه لا يَجُوزُ الرُّكُونُ إلى الكفَّار؛ فليسوا صالحين للمحبَّة والائتمان، وقد أخبرنا ربُّنا أنَّهم شَرُّ الخَلِيقَةِ.

قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} :أي آَمَنُوا بقلوبهم بِكُلِّ ما يجب الإيمانُ به، وعملوا الصَّالحات بجوارحهم، فَالعِبْرَةُ لَيْسَتْ بالانتساب للدِّين؛ إنَّما العِبْرَةُ بالعمل مع الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت