فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 581

وهو من الأَنْبِيَاءِ المنصوصِ على الإيحاء إليهم في سورة النِّساء. ذكره الله في مواضع عدَّةٍ في القرآن، وَسُمِّيَتْ سُورَةٌ باسمه، ولقَّبه اللهُ بِذِي النُّونِ، وصاحب الحُوتِ.

ذُكِرَ في القرآن في سِتِّ مَوَاضِعَ، صُرِّحَ بِاسْمِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ومرَّتين بالوصف والكُنْيَةِ.

أرسله اللهُ إلى أهل «نَيْنَوَى» مِنْ أَرْضِ المَوْصِلِ، وكانوا يعبدون الأَصْنَامَ، وَلَهُمْ صَنَمٌ يُسَمُّونَهُ عِشْتَارًا.

مَكَثَ فيهم مدَّةً طويلةً ولم يستجيبوا له، فلمَّا طال عليه الأَمَدُ خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمْ غَاضِبًا عليهم ومغاضبًا لقومه متوعِّدًا لهم بالعذاب بَعْدَ ثلاثٍ، لكنَّه خرج من بَيْنِهِمْ قَبْلَ أن يأمرَه اللهُ، وظنَّ أن لن يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْهِ، وسار نحو الشَّاطئ.

فَوَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً على سَفَرٍ، فَطَلَبَ مِنْ أَهْلِهَا أن يركب معهم، فلمَّا توسَّطوا البَحْرَ، هَاجَ عليهم فاسْتَهَمُوا، فَوَقَعَ السَّهْمُ عليه ثلاثًا.

رَمَى بِنَفْسِهِ في البحر، فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ.

يَقُولُ اللهُ تعالى: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الفُلْكِ المَشْحُونِ} حَيْثُ ركِبَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً بالنَّاس والمَتَاعِ.

سَمَّى اللهُ خُرُوجَهُ إِبَاقًا؛ كَإِبَاقِ العَبْدِ وهروبِه مِنْ سَيِّدِهِ؛ لأنَّه كان خروجًا بغير إذنِ الله له في الخروج، حتَّى اذا توسَّطت البحر، هَاجَ عليها البَحْرُ، وَخَشَوُا الغَرَقَ اقْتَرَعُوا {فَسَاهَمَ فَكَانَمِنَ الْمُدْحَضِينَ} ؛ أي: من المغلوبين في القرعة. {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}

تذكَّر هذا النَّبيُّ الصَّالحُ أنَّ له ربًّا يسمع النِّداء، فنادى وهو مكظومٌ؛ رَدَّدَ عليه الصَّلاة والسَّلام: {لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} .

وهذا الَّذي حَصَلَ يُعَدُّ من المعجزات؛ لأنَّه إذا ابْتَلَعَهُ الحوتُ فكيف له بالنَّفَسِ؟ كيف يَتَنَفَّسُ؟ كيف يَبْقَى؟ يَخْتَنِقُ ويموت. أليس كذلك؟

فهذه معجزةٌ، هذا أَمْرٌ خَارِقٌ للعَادَةِ، وإلاَّ فالإنسانُ إذا ابْتَلَعَهُ الحوتُ ولو لم يُهَشِّمْ لَهُ لَحْمًا ولم يَكْسِرْ له عَظْمًا، فإنَّه يموت في بَطْنِهِ، إذا دَخَلَ الإنسانُ الحُوتَ هل سيجد غُرْفَةً فَارِغَةً في دَاخِلِ بَطْنِ الحوت؟ سَتَلْتَصِقُ عَلَيْهِ أحشاءُهُ؛ لا يُوجَدُ مَوْضِعٌ للنَّفَسِ.

مَكَثَ يُونُسُ مُدَّةً لم يَرِدْ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ بها، ولكن يظهر أنَّها مُدَّةٌ لَيْسَتْ بِالقَصِيرَةِ؛ لِتَغَيُّرِ جِسْمِهِ.

نادى يُونُسُ رَبَّهُ بدعوة ذي النُّون.

قال ابنُ القَيِّمِ رحمه الله: «فالتَّوْحِيدُ يُدْخِلُ العبدَ على الله، والاستغفارُ والتَّوبةُ يَرْفَعُ المانعَ، وَيُزِيلُ الحِجَابَ الَّذي يحجب القلبَ عن الوصولِ إليه.

فإذا وَصَلَ القلبُ إليه، زال عنه همُّه وغمُّه وحُزْنُهُ، وإذا انْقَطَعَ عَنْهُ، حَضَرَتْهُ الهُمُومُ والغُمومُ والأَحْزَانُ، وَأَتَتْهُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَابٍ».

خَرَجَ يُونُسُ بْنِ مَتَّى مِنْ بَطْنِ الحوت يَلْهَجُ بالحمد والثَّناء، قد كَتَبَ اللهُ له حياةً جديدةً.

أمَّا قَوْمُ يُونُسَ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيهِمْ وَتَحَقَّقُوا نزولَ العذاب بهم، قَذَفَ اللهُ في قلوبهم التَّوْبَةَ والإنابةَ، وَنَدِمُوا على ما كان مِنْهُمْ إلى نبيِّهم، فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وَفَرَّقُوا بين كلِّ بَهِيمَةٍ وولدها، ثمَّ عَجُّوا إلى الله - عزَّ وجل - وَصَرَخُوا وتضرَّعوا إليه وتمسكنوا لديه.

وَبَكَى الرِّجالُ والنِّساءُ والبَنُونَ والبَنَاتُ والأُمَّهَاتُ، وَجَأَرَتِ الأَنْعَامُ والدَّوَابُّ والمواشي، فَرَغَتِ الإبلُ وفصلانُها، وخَارَتِ البَقَرُ وأولادُها، وَثَغَتِ الغَنَمُ وحِمْلانُهَا، وكانت سَاعَةً عَظِيمَةً هائلةً.

فَكَشَفَ اللهُ العَظِيمُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ ورحمته عنهم العذابَ الَّذي كان قد اتَّصل بهم سَبَبُهُ، ودَارَ على رءوسِهِمْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت