قوله: {إِنَّهُمْيَكِيدُونَكَيْدًا} :أي الكفَّارَ والمكذِّبينَ؛ يكيدون بالقرآن، وبالرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وَأَتْبَاعِهِ مِنْ أَجْلِإهلاكهم، وإطفاء نور الله، واللهُ مُبْطِلٌ كَيْدَهُمْ، {وَإِنتَصْبِرُواوَتَتَّقُوالَايَضُرُّكُمْكَيْدُهُمْشَيْئًا} .
وَمِنْ حكمة الله أنَّه لا يعاجل أحدًا بعقوبةٍ ممَّن يصدُّ عن سبيل الله؛ إمَّا إمهالًا له، أو ليزداد إثمًا.
فكفَّارُ قريشٍ كادوا نبيَّنا محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه، وَصَبَرَ على كيدهم، وصدِّهم عن سبيل الله.
ثمَّ صبروا حينما اضطرُّوا صحابتَه بالهجرة مرَّتين، وَآَذَوْهُمْ حتَّى هاجروا في النِّهاية إلى المدينة، وَآَذَوْا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حتَّى هاجر من مكَّة ووقف على جبلها وقال: «إِنَّكِأَحَبُّأَرْضِ اللهِإِلَيَّ» رواه الترمذي و الطبري في تفسيره.
وَأَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - ألاَّ يَسْتَعْجِلَ عليهم، حتَّى نزلت عليه العقوباتُ بالخوف والجوع، وَسَلَبَ عنهم الأَمْنَ، وَرَغَدَ العيش، ثمَّ عَاقَبَهُمْ بالقتل يَوْمَ بَدْرٍ، وَأُسِرَ منهم مَنْأُسِرَ.
الله- تعالى - يُمْهِلُ الكفَّارَ والعصاةَ حِلْمًا منه.
قوله: {وَأَكِيدُكَيْدًا} : من باب المقابلة والجزاء، وكيد الله عدلٌ، وكيد الكافرين ظلمٌ، والله غالبٌ على أمره، وكم يخطِّطون للإسلام والمسلمين، وما يلبثون إلاَّ ويرتكبون حماقةً، فتنسفَ مخطَّطاتِهم بعد عشرين سنةً من التَّخطيط والتَّرتيب!
قوله: {فَمَهِّلِالْكَافِرِينَ} : لا تَسْتَعْجِلْ عليهم، وَاعْلَمْأنَّهم لَيْسُوا بِمُهْمَلِينَ، ولن يَنْجُوا من شرِّ عَمَلِهِمْ، ولكن قد يتأخَّر الأَمْرُ لِحِكْمَةٍ يعلمُها اللهُ.
قوله: {أَمْهِلْهُمْرُوَيْدًا} :أي قليلًا. وكلُّه تَهْدِيدٌ مِنَ الله للكافرين، وَوَعِيدٌ لهم، واللهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
في هذه السُّورَةِ العَظِيمَةِ بَيَّنَ اللهُ - سبحانه -أنَّه حَفِظَ السَّمَاءَ بالنُّجوم، وَحَفِظَ الإنسانَ مِنْأَعْدَائِهِ، وأحصى عليه عَمَلَهُ، وإنَّهُ مُطَّلِعٌ على سَرِيرَتِهِ قَبْلَ عَمَلِهِ.
وذكَّر الإنسانَ بِأَصْلِ نشأته، واستدلَّ بالبداءة على الإعادة، ومتى يكون ذلك؟ في يومٍ تجتمع فيه الأهوالُ، وتنكشف السَّرائرُ، وتظهر الفضائحُ، ثمَّأكَّد على صدق القرآن، وما جاء به نبيُّنا، وَحِفْظِ القرآن والرَّسول وأتباعِهِ مِنْ كَيْدِ الكافرين.
سُمِّيت بذلك؛ لافتتاحها بذلك، فهو- سبحانه - العَلِيُّ الأَعْلَى ذاتًا، وقدرًا، وقهرًا.
وسورة الأعلى سُورَةٌ عَظِيمَةٌ كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - شغوفًا بها، يقرأُها في الجمعة، ويقرأُها في الأعياد، ويقرأُها في اجتماع النَّاس.
رَوَى البخاريُّ عن البراء - رضي الله عنه - أنَّه قال: «أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ علينا من أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُصْعَبُ بْنِ عُمَيْرٍ وَابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ، فجعلا يقرآننا القرآن، ثمَّ جاء عمَّارٌ، وبلالٌ، وسعدٌ، ثمَّ جاء عمرُ بن الخطَّاب في عشرين - أي من المهاجرين - ثمَّ جاء النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.
فما رأيتُ أَهْلَ المدينة فرحوا بشيءٍ فَرَحَهُمْ به - صلى الله عليه وسلم - حتَّى رأيتُ الولائدَ والصِّبْيَانَ يقولون: هذا رسولُ الله قد جاء. فما جاء حتَّى قَرَأْتُ «سبِّح اسمَ ربِّك الأعلى» في سُوَرٍ مِثْلِهَا». البخاريُّ «كتاب التَّفسير» .
بَدَأَتِ السُّورةُ بِتَنْزِيهِ الله الَّذي خَلَقَ فَأَبْدَعَ، وَصَوَّرَ، فَأَحْسَنَ، وأخرج النَّباتَ والعُشْبَ؛ رَحْمَةً بالعباد.
وهذه السُّورةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُ تتحدَّث عن عدَّة أُمُورٍ.
ابتدأت السُّورةُ الكَرِيمَةُ بِتَنْزِيهِ اللهِ - جلَّ وعلا - عمَّا لايَلِيقُ به من كلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وأنَّ له العُلُوَّ والعَظَمَةَ؛ فَلَهُ عُلُوُّ الذَّات، والقهر، والقَدْرِ، فيعظِّم اللهَ بقوله، وَقَلْبِهِ، وقالبه.