فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 581

وقيل: إنَّها الكواكبُ السَّيَّارَةُ تَجْرِي في أفلاكها، فهذه السُّفُنُ تَسِيرُ فَوْقَ عُباب الماء، وَتَحْمِلُ الأثقالَ، والماء رَقيقٌ، فَحَمْلُ السُّفُنِ في البحر دَلِيلٌ على قدرة الله.

هذه السُّفُنُ سَلْهَا: مَنْأَمْسَكَهَا فَوْقَ الماء وسخَّر لها البحرَ؟ ومن الَّذي أَرْسَلَ الرِّياحَ تَسُوقُهَا على الماء سَوْقَ السَّحَابِ؟ وَمَنْ حَفَّظَهَا مجراها ومرساها مِنْ طُغْيَانِ الماء وطُغْيَانِ الرِّيح؟

وَأَجْرَى اللهُ لَهَا رِيحًا واحدةً تَسِيرُ بها، وَمَنِ الَّذي علَّم البشر صُنْعَ هذا البَيْتَ العظيمَ فَوْقَ الماء؟

قوله: {يُسْرًا} أي: تسير بكلِّ يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ في البحر.

وأما إذا كان على تَفْسيرِهابالكواكب: «تَسِيرُ مُنْتَظِمَةً، ولا يَخْتَلُّ نِظَامُهَا» . سَلْهَا مَنِ الَّذي خَلَقَهَا وَرَفَعَ مَكَانَهَا وَزَيَّنَ قبَّة العالم، وفاوت بَيْنَأَشْكَالِهَا وحركاتها؟

قولُه: {فالمُقَسِّمَاِت أَمْرًا} : هي الملائكةُ تَقْسِمُ أَوَامِرَ الله في خَلْقِهِ، وتنفِّذها في الخَلْقِ بما أمرها اللهُ؛ فقد وكَّلهم اللهُ في تدبير العالَم، وَخَلْقِهِمْ على أحسن خِلْقَةٍ، وجعل لهم قُوَّةً وَشِدَّةً.

والمتأمِّلُ في هذه الآيات العظيمة يجد أنَّه قد أَقْسَمَ اللهُ بالرِّياح وبالسَّحاب وبالكواكب أو السُّفُن في البحر والملائكة، فجاء جوابُ القَسَمِ عَظِيمًا.

{إِنًّما تُوعَدُونَ لَصَادِق} : أي البعثُ والنُّشورُ وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، أَقْسَمَ اللهُ العَظِيمُ بهذه المخلوقات العظيمة.

على ماذا يُقْسِمُ سبحانَه؟ أَقْسَمَ على أنَّالبَعْثَ وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، وهو مَوْعِدُنَا مع الله، وأكثرُ النَّاس لا يستعدُّ لِيَوْمِ القيامة، كأنَّه لا يُبْعَثُ، وكأنَّه لا يُحَاسَبُ، وكأنَّه لا يُسْأَلُ.

أَقْسَمَ - سبحانه - وهو أصدقُ القائلين وأكَّد هذا القَسَمَ بسائر المؤكِّدات؛ بالموت، ولقاء الله، والرَّحيل عن هذه الدَّار، والانفصال عنها، ومع هذه المؤكِّداتِ النُّفُوسُ غَافِلَةٌ عن البَعْثِ، ولا تَسْتَعِدُّ له.

والمستعدُّ لا يُعْطِيهِ حَقَّهُ؛ فأكثرُ الخَلْقِ - وشاهدوا الصُّحُفَ والأخبارَ وَأَحْوَالَ سكَّان الأرض - أَكْثَرُهُمْ في غَفْلَةٍ معرضون؛ كأنَّ المُقِيمَ لا يَرْحَلُ، ولا يُبْعَثُ، ولا يُسْأَلُ.

فأمَّا اللَّذَّات والشَّهوات فهم يتحصَّلون عليها كيفما اتَّفق، وَمِنْ أَيِّ طَرِيقٍ؛ لا يَقْلَقُأحدُهم للمستقبل الأخرويِّ، وَيَقْلَقُ على مصيره المؤقَّت.

يَقْلَقُ لخراب البَدَنِ وانقطاع اللَّذَّات، وهو غَافِلٌ عن الموت.

قولُه: {و إنَّ الدِّينَ لَوَاقِع} : الدِّينُ هنا هو الحسابُ، والحسابُأيضًا وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ؛ لأنَّه يستحيل أن يخلقَنا اللهُ عَبَثًا؛ فَلَسْنَا مُهْمَلِينَ كلٌّ يَفْعَلُ ما يشاء، فيحاسبنا اللهُ على ما صَدَرَ مِنَّا في الدُّنيا.

لماذا أقسم اللهُ بهذه الآيات العظيمة؟ للرَّدِّ على المكذِّبين بالبعث والنُّشور الَّذين يَسْتَبْعِدُونَه؟

قوله: {والسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُك} : أقسم- سبحانه - بالسَّماء ذَاتِ الخَلْقِ الجَمِيلِ.

وقيل: ذات الطُّرُق. الحُبُكُ؛ أي المَدَارِجَ الحَسَنَةَ؛ مِثْلَ ما يَظْهَرُ على الماء من هُبُوبِ الرِّيح فيتجعَّد.

قوله: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِف} : أي: في حَقِّ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد اختلفوا ماذا يسمُّونه؛ ساحرٌ مجنونٌ وكذَّابٌ، فاختلفت أقوالُهم في الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - والقرآن.

وَهَذَا دَلِيلٌ على كَذِبِهِمْ؛ لأنَّهم اضطربوا في وَصْفِهِ، وهكذا أَهْلُ الشَّرِّ؛ لا يتَّفقون على قَوْلٍ.

أمَّا أَهْلُ الحَقِّ فإنَّهم يتَّفقون؛ لأنَّ القرآنَ لا يختلف، وكذلك أحاديث الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - لا تختلف.

أمَّا أهلُ الكفر فهم طرائقُ مختلفةٌ وشتَّى؛ لأنَّها بَاطِلَةٌ.

قوله: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْأُفِك} : أي: يُصْرَفُ عن القرآن والرَّسول - صلى الله عليه وسلم - من أفك؛ أي: مَنْ افْتُتِنَ.

قوله: {قُتِلَ الخَرَّاصُون} : أي الكذَّابين؛ وهم أصحابُ القول المختلف.

قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُون} : أي في غَمْرَةِالجهل والضَّلال ساهون؛ أي: غافلون عن الحقِّ.

قوله: {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّين} : يسألون تكذيبًا واستهزاءً وسخريةً متى السَّاعة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت