فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 581

قوله: {يَوْمَهُمْعَلَاالنَّارِيُفْتَنُونَ} : يفتنون أي: يعذَّبون. كما قال اللهُ في سورة المُلْكِ: {فَلَمَّارَأَوْهُزُلْفَةًسِيئَتْوُجُوهُالَّذِينَكَفَرُواوَقِيلَهَذَاالَّذِيكُنتُمبِهِتَدَّعُونَ} . أي: تُطْلَبُونَ وَتُنْكِرُونَ.

فبيَّنَ اللهُ أنَّيَوْمَ القيامة الَّذي يسألون عنه أنَّه يَوْمَ يعذَّبون في النَّار.

قوله: {ذُوقُوافِتْنَتَكُمْهَذَاالَّذِيكُنْتُمْبِهِتَسْتَعْجِلُونَ} : أي عذابكم.

قوله: {هذا الذي كنتم به تستعلجون} : وتقولون متى هو؟ وتستعجلون حصولَه. الآنَ وَقَعْتُم فيه.

بَعْدَ أن بيَّن الله سوءَ عَاقِبَةِ المكذِّبين بيوم القيامة، بَيَّنَ حُسْنَ العاقبة للمتَّقين.

قوله: {إِنَّالْمُتَّقِينَفِيجَنَّاتٍوَعُيُونٍ} : المتَّقون هم الَّذين صانوا أنفسَهم عمَّا لا يُرْضِي اللهَ.

قوله: {في جنات} : الجنَّةُ جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وليست جنَّةً وَاحِدَةً؛ ففي الحديث: «يا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّ حَارِثَةَ لَفِي أَفْضَلِهَا» . رواه البخاري

وَيْحَكِ يا أمَّ حارثة! أَهُبِلْتِ؟! أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ؟! إنَّها جِنَانٌ، وإنَّ حَارِثَةَ قد أصاب الفِرْدَوْسَالأَعْلَى.

فلمَّا سمعت العجوزُ الحزينة هذا الجواب، جَفَّ دَمْعُهَا، وعاد صوابُها، وقالت: في الجنَّة؟ قال: «نَعَمْ» .

والجِنَانُ هي البَسَاتِينُ ذَاتُ الأَشْجَارِ الكَثِيرَةِ. فَجَمَعَ اللهُ لأَهْلِ الجنَّة بين خُضْرَةِ المكان، وَحُسْنِ المَنْظَرِ والمياه الَّتي تجري من تحتها.

قَارِنْ بَيْنَ مَنْ يحترقون في النَّار ويعودون كما كانوا، ولا يَحْيَوْنَ فيها ولا يموتون، وبين من هم في جنَّاتٍ وَعُيُونٍ لا تَنْضَبُ.

قوله: {آَخِذِينَمَاآَتَاهُمْرَبُّهُمْإِنَّهُمْكَانُواقَبْلَذَلِكَمُحْسِنِينَ} : سِيَاقُ الآيَةِ يدلُّ على أنَّالأَخْذَ في الجنَّة دَلِيلٌ على قبولهم له، ورضاهم به، ووصولهم إليه بلا مَوَانِعَ ولا حواجز؛ أي: في الجنَّة.

فيرضون بما أعطاهم اللهُ، ولا أَحَدَ يَرَى أنَّأحدًا أَحْسَنُ منه.

قوله: {إِنَّهُمْكَانُواقَبْلَذَلِكَمُحْسِنِينَ} : الإحسانُ دَرَجَاتٌ، وفسَّره بالمسابقة في الأعمال الصَّالحة؛ أي: بأعمالهم الصَّالحة في الدُّنيا، ثمَّ ذَكَرَ بَعْضَ مَظَاهِرِإحسانهم.

قوله: {كَانُواقَلِيلًامِنَاللَّيْلِمَايَهْجَعُونَ} : اختلفوا فيها على قولين:

-قيل: لهم شَيْءٌ من الطَّاعة في اللَّيل.

-وقيل: إنَّهمأَكْثَرَ اللَّيل يقومون.

ولو نَظَرْنَا إلى قيام اللَّيل فهو سُنَّةٌ، ولكنَّ اللهَأَشَارَ إلى هذه الصِّفَةِ بعدما بَيَّنَأنَّهم فعلوا ما أُمِرُوا به؛ فَوَصَفَهُمْ بالتَّقوى، ولكن أَشَارَ هنا إلى بَعْضِ مَحَاسِنِهِمْ فيها. لَفْتَةٌ عَجِيبَةٌ إلى أهمِّيَّة قيام اللَّيل.

ومن هنا لا تهملوا قيامَ اللَّيل، حتَّى ولو ركعتين؛ لابدَّ أن يكون للإنسان نَصِيبٌ مِنْ قِيَامِ اللَّيلِ، ولو كان قليلًا.

{كَانُواقَلِيلًامِنَاللَّيْلِمَايَهْجَعُونَ} : هذه بِمَثَابَةِ التَّعْلِيلِ لما قَبْلَهُ؛ لا يقومون كلَّ اللَّيل لأنَّ للبَدَنِ حقًّا ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - ما قام لَيْلَةً كَامِلَةً حتَّى الصَّباح، وعاتب من نَذَرَ وَعَاهَدَ نَفْسَهُ أن لا ينام أبدًا.

فَزَمَنُ قِيَامِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ زَمَنِ نومهم، وهكذا يكون حَالُ عِبَادِ الله؛ في ذِكْرٍ مُتَوَاصِلٍ لربِّهم، فكانوا يتهجَّدون ويجتهدون في طاعة الله.

قوله: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} : فيه ذِكْرُ مَزِيَّةِ الاستغفار في السَّحَرِ، والسَّحَرُ يَشْمَلُ ما قبل طلوعِ الفجر الصَّادق بِقَلِيلٍ، وَبَعْدَ الأَذَانِ، إلى صلاة الفجر، الأفضل فيه الاستغفارُ.

يستغفرون وقت السَّحَرِ، ويتحرَّوْنَهُ؛ لأنَّه أَفْضَلُ وَقْتٍ للاستغفار؛ فأبناء يعقوب لمَّا ندموا على ما فعلوا مع يوسف وأخيه طَلَبُوا مِنْأبيهم أن يستغفر لهم، فَوَافَقَ، وَأَخَّرَ استغفارَه لهم إلى وقت السَّحَرِ؛ لأنَّه أحرى، وَوَقْتُ النُّزُولِ الإلهيِّ.

ومع هذا الجدِّ والاجتهاد كانوا يُكْثِرُونَ الاستغفارَ كأنَّهم أكثرُ النَّاس ذنوبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت