فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 581

فَمَدَحَهُمُ اللهُ بِصِفَةٍ أُخْرَى؛ أنَّهم يختمون القيامَ بالاستغفار في الأَسْحَارِ، والسَّحَرُ وَقْتُ النُّزُولِ الإلهيِّ إلى السَّماء الدُّنيا.

ولذلك قالوا: القِيَامُ في آَخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ من أوَّلِه مِنْ أَجْلِ مُوَافَقَةِ النُّزُولِ الإلهيِّ، وحتَّى يَكُونَ من المستغفرين بالأسحار.

لم يَكْتَفُوا بِقِيَامِ اللَّيل؛ فإنَّ الإنسانَ مهما اجتهد فلن يؤدِّيَ حقَّ الله؛ فهو بحاجةٍ إلى استغفارٍ مِنْ تَقْصِيرِهِ، ولا يزكِّي نفسَه؛ فلا يَدْرِي هل تُقْبَلُ منه، وربَّما يكون في عَمَلِهِ خَلَلٌ.

فباتوا لربِّهم سجَّدًا وقيامًا، ثمَّ تَابُوا إليه؛ فأحسنُ ما خُتِمَتْ بِهِ الأعمالُ التَّوْبَةُ.

جَاءَ رَجُلٌ إلى الحَسَنِ البَصْرِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- يَشْكُو إليه الجَدْبَ والقَحْطَ، فأجابه قائلًا: «استَغفِرِ اللهَ» ، ثُمَّ جاءه رجلٌ آخر يشكو الحاجةَ والفقرَ فقال له: «استَغفِرِ اللهَ» ، ثُمَّ جاءه ثالثٌ يشكو قِلّةَ الولدِ فقال له: «استَغفِرِ اللهَ» .

فَعَجِبَ القَوْمُ مِنْ إجابتِهِ؛ حاجاتٌ مُختلِفةٌ ودواءٌ واحدٌ! فأرشدهم بفقهِه الرَّبَّانيِّ، وفهمِه القرآنيِّ تاليًا قولَ الحقِّ تَبارَك وتَعالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} .

وَمَنْ نَظَرَ في حقِّ رَبِّهِ عَلِمَ عِلْمَ اليَقِينِأنَّهُ غَيْرُ مُؤَدٍّ له، ولا يَسَعُهُ إلاَّ عَفْوُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فينظر أوَّلًا في حقِّ الله عليه، ثمَّ ينظر هل قام به كما ينبغي؟

وأكثرُ النَّاس ينظرون في حقِّهم على الله، ولا ينظرون في حقِّ الله عليهم، ومن هنا انقطعوا.

فَمَدَحَهُمُ اللهُ بالهُجُوعِ؛ لأنَّ نَوْمَهُمْ عِبَادَةٌ، ثمَّ مَدَحَهُمْ أنَّقِيَامَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ نَوْمِهِمْ، ثمَّ استغفارهم بالأسحار، فلم يغترُّوا بصلاتهم، فأكثروا الاستغفار.

قوله: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} .

في هذه الآيات ذَكَرَ اللهُ نَافِلَةَ القيام، ونَافِلَةَ الصَّدَقَةِ؛ ففي سورة المعارج قال: {حَقٌّ مَعْلُوم} فدلَّ على أنَّهَا الزَّكَاةُ، وهنا أَطْلَقَ، فَدَلَّ على أنَّها الصَّدَقَةُ.

فمدحهم اللهُ بِصِفَةٍ ثَالِثَةٍ وهي الإحسانُ إلى خَلْقِهِ؛ فَفِي أموالهم حَقٌّ وَاجِبٌ، وَحَقٌّ مُسْتَحَبٌّ.

فالسَّائلُ هو الَّذي يتعرَّض للنَّاس، وَيَطْلُبُ منهم، فإن كان صادقًا فهو له حَلالٌ، وإن كان كاذبًا فهو حَرَامٌ، ويكون خدوشًا في وَجْهِهِ يَوْمَ القيامة، وأمَّا المحرومُفهو الَّذي لا يَسْأَلُ.

فهؤلاء المتَّقون مَدَحَهُمُ اللهُ بهذه الصِّفات، وَبَيَّنَأنَّهم أَحْسَنُوا فيما بينهم وبين ربِّهم، فَعَرَفُوا حقَّه، فأدَّوْهُ، وعرفوا حقَّ خَلْقِهِ، فقدَّموه بِكَرَمٍ وَسَخَاءِ نَفْسٍ.

قوله: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} .

وفي الأَرْضِ آَيَاتٌ وَعِبَرٌ تَدُلُّ على وَحْدَانِيَّةِ الله؛ ففي خَلْقِهَا وَحُدُوثِهَا بَعْدَ عَدَمِهَا، وفي بُرُوزِهَا عن الماء، وفي سَعَتِهَا، وكيف قدَّر اللهُ فِيهَا أقواتَهَا وجبالَها وبحارَها وأنهارَها والقفار.

فهذه الآياتُ الكونيَّةُ دَالَّةٌ على وحدانيَّة الله وربوبيَّته وقدرته وعظمته، وَمَنْ خَلَقَ وَرَزَقَ فَهُوَ يستحقُّ العبادةَ، ومن لا يخلق ولا يرزق لا يستحقُّ العبادةَ.

قوله: {للموقنين} .

أي: الموقنُ يستفيد من الآيات، وكذلك النَّظر في هذه الآيات يَزِيدُ اليَقِينَ؛ فاليقينُ سَبَبٌ وَنَتِيجَةٌ.

قوله: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} .

النَّظَرُ والتَّدَبُّرُ في الأنفس يَدُلُّ على وحدانيَّة الله؛ فكلٌّ ما في الأرض والأَنْفُسِ آَيَاتٌ للموقنين؛ فالإنسانُ لا يعتبر في خَلْقِ نفسه وما فيها من العجائب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت