فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 581

قوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} : الصَّمَدُ: أَيِ الَّذي اجتمعتله صِفَاتُ الكمال كلُّها، فلا يلحقها نَقْصٌ بوجهٍ من الوجوهِ؛ فهو الغَنِيُّ الَّذي تقصده جميعُ المخلوقات، فهو غَنِيٌّ؛ لا يحتاج إلى أحدٍ؛ ويحتاج إليه كلُّ أَحَدٍ.

وله عدَّةُ معانٍ حتَّى بلغ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ معنًى؛ منها الغنيُّ بذاته عن جميع المخلوقات؛ فهو مُسْتَغْنٍ عن غَيْرِهِ، وَغَيْرُهُ لا يستغني عنه.

فإذا عَرَفْتَ هذه القاعدةَ عَرَفْتَأنَّه لا يَأْكُلُ، وَلا يَشْرَبُ؛ لأنَّ الَّذي يأكل مُحْتَاجٌإِلَى غَيْرِهِ، وهو غنيٌّ عن جميع مخلوقاته بما فيها العرش، وليس فَوْقَهُ شَيْءٌ، حتَّى الهواء.

فاللهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، مُقِيمٌ لِغَيْرِه، ِ مُسْتَغْنٍ عنه؛ فَهُوَ الغَنِيُّ الَّذي تصمد إليه المخلوقات في حوائجها.

ومنها السَّيِّدُ الكاملُ في سُؤْدَدِهِ مِنْ «صَمَدَ إِلَيْهِ» ؛ إذا قَصَدَهُ؛ وهو السَّيِّدُ المصمودُ إليه في الحوائج. ومنها الباقي الَّذي لا يفنى.

وكلُّها صَحِيحَةٌ: الصَّمَدُ الَّذي تقصده المخلوقاتُ في حوائجها، والسَّيِّدُ الكاملُ في سُؤْدَدِهِ، وَغَنِيٌّ لا يأكل ولا يشرب، وباقٍ بَعْدَ خَلْقِهِ.

قال القُرْطُبِيُّ: «الأَحَدُ الصَّمَدُ يتضمَّنان جَمِيعَ صِفَاتِ الكمال؛ فالأَحَدُ يَدُلُّ على أَحَدِيَّةِ الذَّات بِجَمِيعِ صِفَاتِ الكمال، والصَّمَدُ السَّيِّدُ الكاملُ في سُؤْدَدِهِ» .

فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ منه وَإِلَيْهِ، ولا يتحقَّق إلاَّ لِمَنْ حَازَ على جَمِيعِ خصال الكمال، ولا يصلح إلاَّ لله وَحْدَهُ.

فَاشْتَمَلَتِ السُّورَةُ على معرفة الذَّات؛ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ له كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لي ذنوبي، إنَّك أنت الغفورُ الرَّحيمُ. فقال - صلى الله عليه وسلم: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ» رواه النسائي أبو داوود و ابن خزيمة و الطبراني و صححه الألباني.

قوله: {لَمْ يَلِدْ} : لم يكن له وَلَدٌ، ولم يتبنَّ الولد.

فنفاأَنْ يَكُونَ لَهُ فَرْع، ٌ وهو الوَلَدُ؛ لِكَمَالِ الصَّمديَّةِ وَغِنَاهُ، كما في قوله: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} .

فَنَفَى الوَلَدَ؛ لأنَّه يُنَافِي الصَّمَدِيَّةَ؛ وهي الغِنَى، وَنَفَى الوَلَدَ؛ لأنَّه يُنَافِي مَعْنَى الأحد، وَلَوْ كَانَ لَكَانَ لَهُ حَظٌّ في الألوهيَّة.

أمَّا قَوْلُهُ: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} في سورةٍأُخْرَى هنا يقفل البابَ على جميع العقائد الفاسدة؛ فليس لله وَلَدٌ لا بالتَّبَنِّي ولا غيره.

قوله: {وَلَمْ يُولَدْ} : نفى -سبحانه -أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ؛ لأنَّه ينافي الأبديَّة؛ فهو الأوَّلُ، فَلَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ.

وفي الحديث الصَّحيح: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ» ذكره الحطاوي بالطحاوية و صححه الألباني. نَفْيُ الأَصْلِ؛ لأنَّه لا يَكُونُ؛ لأنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ الأَبَدِيَّةِ عنه سبحانه.

فَنَسَبُوا له الوَلَدَ، وَلَمْ يَنْسِبُوا لَهُ الوَالِدَ؛ لأنَّه مُسْتَحِيلٌ في حقِّ الله الوَالِدُ والوَلَدُ.

قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} :نَفْيُ أَنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ.

ولها عِدَّةُ قِرَاآتٍ، وَمَعْنَاهَا كُلِّهَا أَيْ: لا كُفْءَ لَهُ، وَلا نَظِيرَ وَلا شَبِيهَ؛ لأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِنَفْيِ المُكَافَأَةِ عَنْ ذَاتِ البَارِئِ.

وَأَصْلُ الكَلِمَةِ: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وهذه فيها حَصْرُ الدِّلالة، والمعنى لا أَحَدَ نَظِيرٌ لَهُ، وَلا نِدَّ وَلا كُفْءَ.

وَسَمِعَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا يَقْرَأُ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ؛ فقال: «وَجَبَتْ» .

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» رواه البزار.

ولو قيل لك: صِفْ لَنَا رَبَّكَ تقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ؛ فَفِي البخاريِّ عن عائشة أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلًا على سَرِيَّةٍ وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت