وَاسْتَشْهَدَ رَسُولُ اللَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في بَدْرٍ بهذه الآية.
قوله: {بَلِالسَّاعَةُمَوْعِدُهُمْوَالسَّاعَةُأَدْهَاوَأَمَرُّ} .
هنا أخبر- سبحانه -أنَّه ينتظرهم من العذاب والنِّقْمَةِأَشَدُّ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ بَدْرٍ مِنَ القتل والأَسْرِ والقهر، حينما تَقُومُ السَّاعَةُ، وأنَّ عَذَابَ يَوْمِ القيامة أَشَدُّ وَأَعْظَمُ وأَنْكَى من عذاب الدُّنيا، وأَكْبَرُ ممَّا أصابهم من الهزيمة والعار، كما قال الله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ} .
فاللهُ هدَّدهم بأمرين؛ أَمْرٍ في الدُّنْيَا، وقد وَقَعَ، وَأَمْرٍ ينتظرهم في الآخرة؛ فعذابُ يَوْمِ القيامة أَشَدُّ مِنْ كُلِّ عَذَابٍ في الدُّنيا. وهنا أخبر اللهُ عَنْ حَالِهِمْ.
قوله: {إِنَّالْمُجْرِمِينَفِيضَلَالٍوَسُعُرٍ} .
أي: كَثِيرِي الإِجْرَامِ بالكفر، وما يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ من المعاصي الكثيرة.
في ضَلالٍ؛ أي: تِيهٍ عن الحقِّ والهدى؛ لأنَّهم عَصَوُا اللهَ ورسولَهُ.
{وسُعُر} أي: في الدُّنيا؛ ما ينتابهم من الحَيْرَةِ والأفكار الباطلة، والشَّكِّ والاضطراب؛ فهم في قَلَقٍ بِسَبَبِ ما يَنْتَابُهُمْ من الأفكار المزعجة. وفي الآخرة احتراقٌ وتسعيرٌ. هذا ما ينتظرهم.
قوله: {يَوْمَيُسْحَبُونَفِيالنَّارِعَلَاوُجُوهِهِمْ} .
هذا ما ينتظرهم ويقال لهم؛ فقد كانوا في تِيهٍ عن الحقِّ، وسُعُرِ حَيْرَةٍ وقلقٍ وشكٍّ، فأورثهم ذلك النَّارَ، يُسْحَبُونَ فيها على وجوههم.
قوله: {ذُوقُوامَسَّسَقَرَ} .
مسُّها أي: لَهَبَهَا وحرارتَها؛ يُقَالُ لهم تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا وَزِيَادَةً في إهانتهم. والمعنى: يوم يجرُّون في النَّار على وجوههم، ويقال لهم: ذوقوا شِدَّةَ عَذَابِ جَهَنَّمَ.
حقيقة من دقَّق في أحوال النَّاس؛ يستعدُّون لكلِّ شَيْءٍ من أُمُورِ الدُّنْيَا، إلا المصير الأخروي، فكثيرٌ من النَّاس يخطِّط لكلِّ شَيْءٍ في الدُّنيا إلاَّ هذا الَّذي وَعَدَنَا اللهُ بِهِ، أو توعَّدنا به، أَخْرَجَهُ مِنْ حِسَابَاتِهِ، فَخَسِرَ الدُّنْيَا والآَخِرَةَ.
قوله: {إِنَّاكُلَّشَيْءٍخَلَقْنَاهُبِقَدَرٍ} .
جاء مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يخاصمون رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ: {يَوْمَيُسْحَبُونَفِيالنَّارِعَلَاوُجُوهِهِمْذُوقُوامَسَّسَقَرَ* إِنَّاكُلَّشَيْءٍخَلَقْنَاهُبِقَدَرٍ} . رواه مُسْلِمٌوالتِّرْمِذِيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ.
فخاصم الكفَّار جدلًا؛ ليدفعوا عن أنفسهم العذابَ؛ لعبادتهم الأصنام، فقالوا: «لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا» . جَهْلٌ منهم بمعنى القَدَرِ والمَشِيئَةِ، فاحتجوا بتقرير الله لهم شركهم، والحجة في الشرع لا في القدر، وكأنَّهم يستعجلون العذاب، ويطالبون الرَّسول بالعذاب، ولكن لولا أَجَلٌ مسمًّى لجاءهم العذابُ؛ لأنَّ اللهَ لن يغيِّر قضاءَه وقدرَه من أجل تحدِّي أُنَاسٍ جُهَلاءَ.
ومن هنا قال اللهُ: {وَمَاأَمْرُنَاإِلَّاوَاحِدَةٌكَلَمْحٍبِالْبَصَرِ} ؛ فلا يُعْجِزُونَهُ.
وهؤلاء قالوا ما قالوا، وخاصموا بالقَدَرِ؛ جَهْلًا منهم بالقُدْرَةِ؛ فَقَدَرُهُ نَافِذٌ، وَمَشِيئَتُهُ نَافِذَةٌ لا تُمَانَعُ، ولا تُرَدُّ.
وفيهارَدٌّ على الجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ مَشِيئَةَ العبد، وأنَّه مَجْبُورٌ يتحرَّك بدون اختيارٍ، وَرَدًّا على القدريَّة أنَّالعَبْدَ يشاء ما لا يشاؤه اللهُ.
والصَّحِيحُأنَّ للعبد مَشِيئَةً، لكنَّها لا تخرج عن مَشِيئَةِ الله؛ فما شاء الله كان، وما لم يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
فَمَشِيئَةُ اللهِ نَافِذَةٌ لا رادَّ لها، ولا ممانعَ، وَمِنْ ثَمَّ سأل سُرَاقَةُ نبيَّنا محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله أَنَعْمَلُ اليومَ فيما جَفَّتْ به الأَقْلامُ وَجَرَتْ بِهِ المقاديرُ أو فيما يُسْتَقْبَلُ؟