فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 581

أَرْسَلَ اللهُ عليهم صَيْحَةً من السَّماء، فصاح بهم جِبْرِيلُ - عليه السلام -، فَقَطَّعَ قلوبَهم في أجوافهم، فأصبحوا في دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ.

قوله: {فَكَانُواكَهَشِيمِالْمُحْتَظِرِ} .

أي: كالزَّرع اليابس المحترق؛ أي: كالحظيرة اليابسة المتهشِّمة المحترقة؛ وهو الشَّجرُ المقطوعُ المتَّخذُ منه الحظيرةُ.

قال ابنُ عبَّاسٍ: «المحتظرُ هو الرَّجُلُ يجعل حظيرةً لِغَنَمِهِ من الشَّجَرِ والشَّوْكِ، فَأَصْبَحَ يَابِسًا ومحترقًا بالشَّمس» .

قوله: {وَلَقَدْيَسَّرْنَاالْقُرْآَنَلِلذِّكْرِفَهَلْمِنْمُدَّكِرٍ} .

اللهُ سَهَّلَ لَنَا حِفْظَ القرآن وَفَهْمَهُ والعمل به، وهذا في حَقِّ مَنْ يريد الحقَّ.

ومن لا يريد الحقَّ وأعرض عنه، فلو حفظ القرآن كلَّه فلن يفهمه؛ لأنَّ اللهَ قال: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْأَكِنَّةً أَنْيَفْقَهُوهُ وَفِي أَذَانِهِمْ وَقْرًا} .

فاللهُ سَهَّلَ لنا آياتِ القرآن؛ للاتِّعَاظِ والتَّذَكُّرِ؛ {لِمَنْأَرَادَأَنْيَتَذَكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} .

قوله: {كَذَّبَتْقَوْمُلُوطٍبِالنُّذُرِ} .

والنُّذُرُ تَشْمَلُ الرُّسُلَ، وَتَشْمَلُ الحَوَادِثَ وَالوَقَائِعَ والمصائبَ والكوارثَ.

قومُ لُوطٍ كانوا يَسْكُنُونَ قرى سَدُومٍ بالأُرْدُنِ، وكانوا على شِرْكٍ وَكُفْرٍ، وَمَعَ الشِّرك كانوا يعملون الفاحشةَ ما سَبَقَهُمْ بها مِنْ أَحَدٍ من العَالَمِينَ؛ وهي إتيانُ الذُّكورِ بدلًا عن الإناث؛ فهم كفروا بالله، واستبدلوا بالطَّيِّبَالخَبِيثَ.

وأنذرهم لوطٌ عن الكفر، وعن هذه الجريمة، فكذَّبوه، وخالفوه، وارتكبوا المكروه؛ إِتْيَانَ الذُّكُورِ. والأمورُ مَحْسُومَةٌ؛ إذا لم يُؤْمِنُوا، اسْتَحَقُّوا العذابَ.

قوله: {إِنَّاأَرْسَلْنَاعَلَيْهِمْحَاصِبًا} .

الإنسانُ إذا كان غارقًا في المعاصي مهما احتاط ومهما استعدَّ لكلِّ الاحتمالات، فلا ينفع حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ.

فما شاء اللهُ كَانَ، ومالم يَشَأ لَمْ يَكُنْ؛ فلا يَدْفَعُ القَدَرَ إلاَّ الدُّعَاءُ، ولا يمنعك من الله إلاَّ أن تكون على أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.

هذا الطَّبِيبُ مُتَفَوِّقٌ في اختصاصه ويمارس العلاج ثلاثين سَنَةً ويصابُ بِنَفْسِ المَرَضِ، فلا ينفعه العِلاجُ.

وَمِنْ ثَمَّ هؤلاء لمَّا كذَّبوا بالنُّذُرِأَرْسَلَ اللهُ عليهم حجارةً من سِجِّيلٍ مِنْ نَارٍ، وهي الَّتي أُمْطِرَتْ عليهم، وَقَلَبَ قُرَاهُمْ، وَجَعَلَ أعلاها أسفلها.

قوله: {إِلَّاآَلَلُوطٍنَجَّيْنَاهُمْبِسَحَرٍ} .

النَّجَاةُ مِنْ عذاب الله نِعْمَةٌ؛ فَجَمَعَ اللهُ لآَلِ لُوطٍ بين الهداية والنَّجاة، فهداهم ونَجَّاهُمْ.

فأنجى اللهُآَلَ لُوطٍ في آَخِرِ اللَّيل قُبَيْلَ الفَجْرِ، فَنَجُوا ممَّا أصاب قَوْمَهُمْ، ولم يُؤْمِنْ بِلُوطٍ من قومه أَحَدٌ، ولا رَجُلٌ وَاحِدٌ، حتَّى امرأتُه؛ كَفَرَتْ به، وكان عددُهم أكثرَ مِنْأَرْبَعِ مِائَةِأَلْفٍ، وخرج نبيُّ الله لوطٌ وبناتٌ له من بين أظهرهم سالمين، لم يمسَسْهُم سُوءٌ.

قوله: {نِعْمَةًمِنْعِنْدِنَاكَذَلِكَنَجْزِيمَنْشَكَرَ} .

أي: مَنْ أَحْسَنَ؛ فمن أطاع اللهَ وَعَبَدَهُ فقد شَكَرَ وأحسَّن، ومن عَصَاهُ وَتَمَرَّدَ عليه، فقد كَفَرَ وَأَسَاءَ.

فَبَيَّنَ - سُبْحَانَهُ - أنَّهُأَنْجَى آَلَ لُوطٍ نِعْمَةً منه، وإكرامًا لمن شَكَرَ؛ فقد آمنوا بالله، وعملوا صالحًا، فأنجاهم اللهُ؛ {مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْإِنْشَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت