أَخْطَرُ حَدَثٍ في حياة الإنسان لَحْظَةُ مُغَادَرَةِ الدُّنْيَا؛ لأنَّه عندها يتحدَّد المَصِيرُ؛ فيبشَّر بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ.
قوله: {إِنَّامُرْسِلُواالنَّاقَةِفِتْنَةًلَهُمْ} .
مِنْ أَجْلِإِقَامَةِ الحجَّة على قَوْمِ ثَمُودَ، أَيَّدَ اللهُ نَبِيَّهُ صَالِحًا بِمُعْجِزَةٍ تَدُلُّ على صِدْقِهِ، وأيضًا فِتْنَةً لهم؛ أي: ابْتِلاءً وَاخْتِبَارًا؛ هل يؤمنون أم لا يؤمنون؟ هل يشكرون أم لا يشكرون؟
وَسَبَبُ ذلكأنَّهم اقترحوا على صَالِحٍ إِخْرَاجَ نَاقَةٍ من صَخْرَةٍ، وأنَّهاإن خَرَجَتْ لهم منها، آَمَنُوا به واتَّبَعُوهُ.
فأخرج اللهُ لهم نَاقَةً عظيمةً عُشْرَاءَ من صَخْرَةٍ صمَّاءَ طِبْقَ ما سألوا؛ لتكون حُجَّةَ الله عليهم في تصديق صالحٍ - عليه السَّلام - فيما جاءهم به.
وهذه النَّاقَةُ فِتْنَةٌ لهم، والله عَلِمَ أنَّهم سيقتلونها، وإذا قتلوها سينزل عليهم العذابُ لذلك.
أخبرهم أنَّهمإن تَعَرَّضُوا لآيةِ الله بِسُوءٍ، أهلكهم بعذابٍ عَظِيمٍ.
قوله: {فَارْتَقِبْهُمْوَاصْطَبِرْ} .
أي: انْتَظِرِ الوَعْدَ؛ ماذا يَعْمَلُونَ؟ وماذا يَؤُولُ إليه أَمْرُهُمْ؟ واصطبر عليهم. والاصطبارُ أعلى درجات الصَّبْرِ؛ فهناك صَبْرٌ واصطبارٌ ومصابرةٌ؛ فالصَّبْرُ حَبْسُ النَّفسِ عن الجَزَعِ، وَحَبْسُ اللِّسانِ عن التَّشكِّي، وَحَبْسُ الجَوَارِحِ عن الضَّرْبِ والشَّقِّ وَنَتْفِ الشَّعْرِ.
وأمَّا الاصطبارُ فهو الاستمرارُ على الصَّبْرِ ومجاهدة النَّفس، ولا تستعجل على ما يصدر منهم من عِنَادٍ ومكابرةٍ؛ فإنَّ العَاقِبَةَ لَكَ، والنَّصْرَ لك في الدُّنيا والآخرة.
قوله: {وَنَبِّئْهُمْأَنَّالْمَاءَقِسْمَةٌبَيْنَهُمْكُلُّشِرْبٍمُحْتَضَرٌ} .
كانوا يَرِدُونَ على بِئْرٍ عَذْبَةٍ يُقَالُ لها بِئْرُ النَّاقَةِ، فكانت لا تَكْفِيهِمْ هم والنَّاقَةَ، فجعلها اللهُ قِسْمَةً بينهم؛ أي: بَيْنَ ثَمُودَ والنَّاقَةِ.
والمعنى أي: أَخْبِرْ يا صَالِحُ ثَمُودَ أنَّالماءَ - وهو ماءُ البِئْرِ الَّتي كانت تَشْرَبُ منها النَّاقَةُ - قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ؛ فَيَوْمٌ للنَّاقَةِ، وَيَوْمٌ لِثَمُودَ.
وما تضمَّنته هذه الآيةُ الكريمةُ جاء موضَّحًا في آيةٍ أُخْرَى، وهي قولهتعالى في «الشُّعراء» : {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٌ} .
وكأنَّهم يشربون من الماء يومًا، ومن لَبَنِ النَّاقةِ يَوْمًا آخر، فكأنَّه- تعالى - أَنْبَأَهُمْ بِنِعْمَةِ اللَّه- تعالى - عليهم في ذلك. ولكنَّ ثَمُودَ مَلُّوا هذه القِسْمَةَ.
قوله: {فَنَادَوْاصَاحِبَهُمْ} .
هذا يَدُلُّ على أنَّثَمُودَ اتَّفَقُوا كلُّهم على عَقْرِ النَّاقَةِ، فَنَادَوا واحدًا منهم؛ لينفِّذ ما اتَّفقوا عليه؛ أَصَالَةً عن نفسه، وَنِيَابَةً عن غيره.
قوله: {فَتَعَاطَافَعَقَرَ} .
قال المفسِّرون: «هو عاقرُ النَّاقَةِ، واسمُه قُدَّارُ بنِ سالفٍ، وكان أشقى قومه؛ كقوله تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} {فَتَعَاطَى} أي: فَجَسر، وتجرَّأ هذا الرَّجُلُ الظَّالِمُ الجَبَّارُ، وَتَنَاوَلَ العَقْرَ بِيَدِهِ؛ أي: تناولَ النَّاقَةَ بِيَدِهِ، فنحرها بالحَرْبَةِ.
{فَكَيْفَكَانَعَذَابِيوَنُذُرِ} .
أي: كيف كان عاقبةُ عَذَابِي وَشِدَّتُهُ وَبَطْشُهُ؟ كان أليمًا وشديدًا.
وكيف كان عاقبةُإنذاري؟ كان واضحًا، وكان حقًّا.
فانظروا كيف كان عِقَابِي لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِي، وتكذيبهم رَسُولِي الَّذي يخوِّفهم عَذَابَ اللَّه.
قوله: {إِنَّاأَرْسَلْنَاعَلَيْهِمْصَيْحَةًوَاحِدَةً} .