أي أنَّالرِّيحَ لشدَّتِهَا وقوَّتِهَا، كانت تَقْتَلِعُهُمْ مِنْ أماكنهم، وتُلْقِي بهم بعيدًا، وهم صَرْعَى.
قال ابنُ كَثِيرٍ: «وذلك أنَّالرِّيحَ كانت تأتي أحدَهم، فترفعه حتَّى تُغَيِّبَهُ عن الأبصار، ثمَّ تنكِّسه على أمِّ رأسه، فيسقط على الأرض، فتنخلع رأسُه، فيبقى جُثَّةً بلا رَأْسٍ.
قوله: {فَكَيْفَكَانَعَذَابِيوَنُذُرِ} .
خَتَمَ اللهُ قِصَّةَ هؤلاء الطُّغاة بِمِثْلِ ما خَتَمَ قصَّة عَادٍ. فَكَيْفَ كان عاقبةُ عذابي؟ كان أليمًا وشديدًا.
وكيف كان عاقبة إنذاري لمن كفر بي وكذَّب برسلي ولم يتَّعظ؟ كانت نهايةًأَسِيفَةً، كما في قولهسبحانه: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} .
قوله: {وَلَقَدْيَسَّرْنَاالْقُرْآَنَلِلذِّكْرِفَهَلْمِنْمُدَّكِرٍ} .
سبق الكلامُ عنها في قصَّة نوحٍ.
قوله: {كَذَّبَتْثَمُودُبِالنُّذُرِ} .
أي: كذَّبت قبيلةُ ثَمُودٍ نَبِيَّ الله صالحًا. ومن كذَّب بِرَسُولٍ فقد كذَّب المرسلين كلَّهم.
وتكذيبُ الله ورسوله مِنْأَخْطَرِ أنواعِ التَّكذيب، وهو ما يسمَّى بكفر التَّكذيب.
قَبِيلَةُ ثَمُودَ كانت تَسْكُنُ شَمَالَ الحجاز، وكانت بلادًا زِرَاعِيَّةً، وهذه القبيلة كانت قويَّةً، وَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله، وأشركوا بالله، فَبَعَثَ اللهُ إليهم نبيَّه صالحًا، فدعاهم إلى عبادة الله، وَتَرْكِ الشِّرْكِ، فاستكبروا، وكذَّبوا. ثمَّ ذَكَرَ اللهُ مَظَاهِرَ تَكْذِيبِهِمْ.
قوله: {فَقَالُواأَبَشَرًامِنَّاوَاحِدًانَتَّبِعُهُ} .
استغربوا أن يكون بَشَرٌ له سُلْطَةٌ عليهم، فيكون آمِرًا وَنَاهِيًا، ويرون أنَّه نَقْصٌ في حَقِّهِمْ.
هذا من السُّخْرِيَةِ والاستهزاء بِنَبِيِّ الله صَالِحٍ؛ يُرِيدُونَ أن يَأْتِيَهُمْ مَلَكٌ من السَّماء، فحجبهم عن الحقِّ والسَّعادة بشريَّة المتكلِّم؛ يقولون: هل يُعْقَلُ أنَّأمَّةً كَامِلَةً تتَّبع إنسانًا وَاحِدًا؟
وهذه التُّهْمَةُ مستمرَّةٌ في كلِّ زَمَانٍ؛ فَكَثِيرٌ من النَّاس ينظرون إلى الدَّاعي، ولا ينظرون إلى فَحْوَى وَمَضْمُونِ الدَّعْوَةِ؛ فتسمع من يقول بسخريةٍ: متى صار داعيةً؟ متى صار كذا وكذا؟
فالَّذي يَحْجِبُهُمْ عَنِ الحَقِّ كَرَاهِيَةُ الدَّاعِيَةِ، إمَّا لِحَسَدٍ أو انْتِقَاصٍ للدَّاعي.
قوله: {إِنَّاإِذًالَفِيضَلَالٍوَسُعُرٍ} .
أي: إِنِاتَّبَعْنَاهُ ونحن الجماعة الكثير، فَقَدْ خِبْنَا وَخَسِرْنَا، وكأنَّهم يزعمون أنَّهم على الحقِّ، وإن تركوا ما هم عليه واتَّبعوا صالحًا، صاروا في ضلالٍ وَسُعُرٍ؛ أي: جُنُونٍ. يُقَالُ: نَاقَةٌ مَسْعُورَةٌ؛ أَيْ: مَجْنُونَةٌ من نشاطها كأنَّها مجنونةٌ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قوله: {أَءُلْقِيَالذِّكْرُعَلَيْهِمِنْبَيْنِنَا} .
تعجَّبوا من إلقاءِ الوَحْيِ عليه؛ كَيْفَ اخْتَارَهُ اللهُ وَتَرَكَنَا؟ وهذا اسْتِفْهَامٌإِنْكَارِيٌّ. لماذا نَزَلَ عليه الوَحْيُ؟ ولماذا خُصَّ به دُونَنَا وفينا من هو أحقُّ بذلك منه؟
قوله: {بَلْهُوَكَذَّابٌأَشِرٌ} .
عَدَلُوا عن كلامهم، فخوَّنوه، وكذَّبوه فيمايَدَّعِيهِ مِنْ نُزُولِ الوَحْيِ عليه، واتَّهموه بالغُرُورِ وَالكِبْرِ.
وهكذا أَهْلُ الباطل دائمًا يَقْلِبُونَ الحقائقَ في مقاومتهم للحقِّ وَأَهْلِهِ، فيستخدمون الكذب والفجور وإلقاءَ التُّهَمِ.
قوله: {سَيَعْلَمُونَغَدًامَنِالْكَذَّابُالْأَشِرُ} .
فردَّ اللَّهُ عليهم مهدِّدًا ومتوعِّدًا.
وهذا عَامٌّ في كلِّ مَنْ كذَّب الأنبياءَ وَخَالَفَهُمْ؛ بأنَّه سَيَنْدَمُ يَوْمَ العقاب إذا حَلَّ به، وسوف يتبيَّن لهم حينما يحلُّ بهم العذابُ مَنْ هو الكذَّابُ الأَشِرُ؛ سَوَاءٌ في الدُّنيا أو يوم القيامة.