فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 581

يقول حُذَيْفَةُ: «كان النَّاسُ يسألون رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الخير، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عن الشَّرِّ؛ كيما أعرفَه فَأَتَّقِيهِ، وعلمتُ أنَّالخَيْرَ لا يفوتني، قُلْتُ: يا رسولَ الله، هل بَعْدَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قال: «يَا حُذَيْفَةُ، تَعَلَّمْ كِتَابَ اللهِ، وَاعْمَلْ بِمَا فِيهِ» . فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ القَوْلَ ثَلاثًا، فقال في الثَّالثة: «فِتْنَةٌ وَاخْتِلافٌ» . متفق عليه.

وفيها أيضًا بَيَانُ أنَّاللهَ سَهَّلَ القُرْآَنَ العَظِيمَ للحفظ والتَّعْلِيمِ والتَّدَبُّرِ والعمل، وهذا واضحٌ؛ فتجد الطِّفلَ الصَّغِيرَ يحفظ القرآنَ، وَتَجِدُ الأعجميَّ يَحْفَظُهُ، بينما لا يستطيع أن يتكلَّم باللُّغة العربيَّة.

وهذا مِنْ تَسْهِيلِ الله لهذا القرآن؛ فهو مُيَسَّرٌ للعمل، وَمُيَسَّرٌ من كلِّ وَجْهٍ؛ لأنَّه لو لم يُسَهِّلْهُ اللهُ، لم تَقُمْ عليهمُ الحُجَّةُ.

يَقُولُ ابْنُ عبَّاسٍ: «لولا أنَّاللهَ يسَّره على لسانِ الآدميِّينَ، ما استطاع أَحَدٌ من الخَلْقِ أن يتكلَّم بكلام الله عزَّ وجلَّ» .

فالقرآنُ يَسِيرٌ على من يسَّرهُ اللهُ عَلَيْهِ؛ سَوَاءٌ في حِفْظِهِ، أو فَهْمِهِ، أَوِ العَمَلِ به.

ومن لم ييسِّرْهُ اللهُ عَلَيْهِ وجُعِلَ على قَلْبِهِأكنَّةٌ وفي آذانِهِمْ وَقْرٌفهو عسبر، فَسَبَبُ ذلك أنَّ اللهَ طَبَعَ على قلوبهم واتَّبعوا أهواءهم، فأصبحوا لا يَفْقَهُونَ.

قوله: {كَذَّبَتْعَادٌ} .

كذَّبت أَخْطَرَ أَنْوَاعِ التَّكذيب؛ تَكْذِيبَ اللهِ ورسولِه، وهو كفرُ التَّكذيب، وهو الإنكارُ بالقلب واللِّسان والعمل.

وَعَادٌ جَاءَهُمْ نَبِيٌّ كريمٌ؛ وهو هودٌ - عليه السَّلام - وَدَعَاهُمْ إلى عِبَادَةِ الله، وَتَرْكِ الشِّرْكِ وعبادةِ الأصنامِ.

فدعاهم إلى عبادةِ اللهِ وَحْدَهُ، وحذَّرهم عُقُوبَةَ الكفر والشِّرْكِ، فقالوا: {ما جئتَنا ببيِّنةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ، وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين} ، وهدَّدوهُ، وَتَوَعَّدُوهُ.

فلمَّا كذَّبوه تكذيبًا قوليًّا وعمليًّا واعتقاديًّا، قامت عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، ولم يَبْقَ لَهُمْ عُذْرٌ.

أَرْسَلَ اللهُ عليهم الرِّيحَ العَقِيمَ؛ أَعَاصِيرَ عَاتِيَةً بَارِدَةً قَوِيَّةً، لها أصواتٌ مُخِيفَةٌ، فِيهَا صِرٌّ.

قوله: {فَكَيْفَكَانَعَذَابِيوَنُذُرِ} .

أي: كيف كان عاقبةُ عَذَابِي الَّذي أَوْقَعْتُهُ بِهِمْ؟

الاستفهامُ للتَّهْوِيلِ والتَّعظيم؛ أي: كيف كان عَاقِبَةُ عَذَابِي الَّذي أَوْقَعْتُهُ؟ كان شديدًا، وكان عظيمًا.

وكيف كان عاقبة إنذاري؟ كان واضحًا لهم، وكان حَقًّا؛ فنزل بِهِمُ العَذَابُ، والعذابُ دَائمًا يَسْبِقُهُإْنِذَارٌ؛ فاللهُ لا يُوقِعُ العذابَ إلاَّ بَعْدإِقَامَةِ الحُجَّة، وَبَعْدَ الإِنْذَارِ؛ {وَإِنْ مِنْأُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} .

فما أَكْثَرَ المواعظَ! وما أقلَّ المتَّعظين! وما أكثر العِبَرَ! وما أقلَّ المعتبرين! ثمَّ بيَّن بعد ذلك نَوْعَ العذاب.

قوله: {إِنَّاأَرْسَلْنَاعَلَيْهِمْرِيحًاصَرْصَرًا} .

أَرْسَلَ اللهُ عليهم رِيحًا عَاتِيَةً وباردةً وقويَّةً، ولها أصواتٌ مُخِيفَةٌ، فصارت تَنْزِعُ النَّاسَ كأنَّهم أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، وَهَذِهِ الرِّيحُ لا يُتَّقَى منها بِشَيْءٍ؛ لا جِدَارٍ، ولا جَبَلٍ، ولا غَارٍ، ولا بَيْتٍ، ولا شَيْءٍ. {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍأَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} .

قوله: {فِييَوْمِنَحْسٍ} .

أي: يَوْمَ شَرٍّ وَنَحْسٍ وَشُؤْمٍ عليهم. وليس المرادُ أنَّاليَوْمَ مَنْحُوسٌ بِذَاتِهِ، إنَّمَا مَنْحُوسٌ عليهم. لأنه يوم سعد على المؤمنين في المكان والزمان فدل على أن النحس ليس صفة لليوم

قوله: {مُسْتَمِرٍّ} .

أي: مستمرٌّ عليهم نَحْسُهُ وَدَمَارُهُ بالعذاب والهلاك، حتَّى استئصالهم؛ فأحيانًا يأتي العذابُ جماعيًّا، وأحيانًا يأتي العذابُ فرديًّا.

قوله: {تَنْزِعُالنَّاسَكَأَنَّهُمْأَعْجَازُنَخْلٍمُنْقَعِرٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت