رَغْمَ أنَّالسَّفِينَةَ تَجْرِي بهم في مَوْجٍ كالجبال، لَمْ تَغْرِقْ؛ لأنَّ اللهَ - سبحانه- قال: {تجري بأعيننا} ؛ أي: بِأَمْرِنَا، بِمْرَأى مِنَّا، وَتَحْتَ حِفْظِنَا وَكَلاءَتِنَا وَرِعَايَتِنَا.
قوله: {جَزَاءًلِمَنْكَانَكُفِرَ} .
أي: هذا الغَرَقُ جَزَاءٌ لهؤلاء الكَفَرَةِ، وَأَنْجَى نُوحًا؛ جزاءً على صَبْرِهِ، وَشُكْرِهِ.
قوله: {وَلَقَدْتَرَكْنَاهَاآَيَةً} .
تَحْتَمِلُأَمْرَيْنِ:
هذه العقوبة الَّتي أَنْزَلَهَا اللهُ بِقَوْمِ نوحٍ جَعَلَهَا اللهُ آَيَةً وَعَلامَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَعِظَةً وَعِبْرَةً لِمَنْ يعتبر ويتَّعظ بها. ويؤيِّدُ هذا قَوْلُ اللهِ: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آية} .
تركناها اية أي هذه الحادثه وهي نجاه المؤمنين وهلاك الكافرين تركها الله اية وعبرة وعظة لمن كان له قلب
وقيل: إنَّالسَّفِينَةَ قد أبقاها- سبحانه- بعد إغراقهم إلى الزَّمن الَّذي قدَّره وأراده؛ لتكون- أيضًا- عِبْرَةً وَعِظَةً لغيرهم. ويؤيِّد هذا قولهتعالى: {فَأَنْجَيْناهُ وَأصحاب السَّفِينَةِ، وَجَعَلْناها آية لِلْعالَمِينَ} . والغرض من الاية ا ناهَك اهلك من عصاه وانجا من اطاعه فمن امن نجا ومن كفر هلك
قوله: {فَهَلْمِنْمُدَّكِر} .
والاستفهامُ في قولهتعالى: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} لِلحَضِّ على التَّذكُّرِ والاعتبارِ، وَلَفْظُ «مُدَّكِرٍ» أَصْلُهُ «مُتْذَكِرٌ» من الذِّكْرِ الَّذي هو ضِدُّ النِّسْيَانِ؛ {وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} ... أَيْ: «وتذكَّر بَعْدَ نِسْيَانٍ» .
والمعنى أي: ولقد تركنا ما فعلناه بقوم نوحٍ عِبْرَةً، فاعتبروا بذلك- أيُّها النَّاسُ - وَأَخْلِصُوا لله- تعالى- العبادةَ والطَّاعَةَ؛ لتنجوا مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ.
قوله: {فَكَيْفَكَانَعَذَابِيوَنُذُر} .
أي: كَيْفَ كَانَ وُقُوعُ عَذَابِي بَعْدَمَا أَنْذَرْتُهُمْ وخوَّفْتُهُم على لِسَانِ رُسُلِي، والكتبِ الَّتي أنزلتُها، والجوابُ شَدِيدٌ، والخِطَابُ لكفَّار قُرَيْشٍ وَمَنْ بعدَهم.
أَرْسَلْنَا لَكُمْ رَسُولًا، وأنزلنا لكم آَيَاتٍ وَاضِحَاتٍ على صِدْقِ رسالَتِهِ وبيَّنَّا لكم أَحْوَالَ الأُمَمِ السَّابقة حتَّى نزل بهم العذابُ؛ ففيه تَهْدِيدٌ ووعيدٌ وتذكيرٌ لهم بما حلَّ بالأمم السَّابقة من العقوباتِ، وَمِثْلَمَا فَعَلْنَا بهم سوف نفعل بكم إذا كفرتم، وأصررتم على الكفر.
هنا الاستفهامُ للتَّهويل؛ لِبَيَانِ مَظَاهِرِأَخْذِهِ وَسَطْوَتِهِ، وأنَّأَخْذَهُأَلِيمٌ شَدِيدٌ.
لقد كان العذابُ عليهم على كيفيَّةٍ هَائِلَةٍ لا يعلمها إلاَّ اللهُ.
قوله: {وَلَقَدْيَسَّرْنَاالْقُرْآَنَلِلذِّكْرِفَهَلْمِنْمُدَّكِرٍ} .
هذا التَّيْسِيرُ مِنَ اللهِ لِمَنْ قَرَأ القرآنَ وهو يريد الحقَّ؛ فهو يَسِيرٌ عليه.
يقول السَّعْدِيُّ: «القرآنُأَسْهَلُ العلوم؛ فَمَنْ طَلَبَهُأُعِينَ عَلَيْهِ» . وَعَسِيرٌ على من يريد الباطلَ، حتَّى لو حَفِظَ القُرْآَنَ، فلا يمكن أن يفهمه؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ على قلوبهم أَكِنَّةً أن يفقهوه.
فالقرآنُ ثَقِيلٌ على الكفَّار والعصاة، وَيَسِيرٌ على المؤمنين وأهل الطَّاعة.
الصَّلاةُ ثَقِيلَةٌ على أَهْلِ النِّفَاقِ، وَيَسِيرَةٌ على أَهْلِ الإيمان. نسأل اللهَ أن يُيَسِّرَنَا لليسرى، ويجنِّبَنا العُسْرَى، بِفَضْلِهِ وَمَنِّهِ.
هذه الآيَةُ تكرَّرت في أعقاب قصَّة نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ - عليهم السَّلام- لتأكيد مضمون ما سبق في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ} .
وإنَّ في هلاك الامم السابقة عِبْرَةٌ وَعِظَةٌ، وفيها أنَّسَبِيلَ النَّجاة من عذاب الله التَّمسُّكُ بكتاب الله، والعملُ بما فيه.