العبوديَّةُ على نَوْعَيْنِ: عامَّةٍ لكلِّ البَشَرِ، وخاصَّةٍ؛ وهي عبوديَّة الإيمان.
قوله: {وَقَالُوامَجْنُونٌوَازْدُجِرَ} .
اختصر اللهُ دَعْوَةَ نُوحٍ وَمَسِيرَةَألف سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عامًا في ردِّ قومِ نُوحٍ وعنادِهم بقولهم: «مجنونٌ وازْدُجِرَ» .
وَذَكَرَ اللهُ لنا سَبَبَ امْتِنَاعِ قَوْمِهِ عن اتِّباعه؛ اتَّهموه بالضَّلال والجنون، وأنَّهُ مُجَادِلٌ، وأنَّأتباعَه الأَرَاذِلُ، وأنَّه بَشَرٌ، وأنَّه يريد أن يتفضَّل عليهم؛ أي: يَتَرَأَّسَ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْأنَّه لا يَسْأَلُهُمْ مالًا، وليس عِنْدَهُأُعْطِيَاتٌ، وليس في حُجَجِهِمْ مَنْطِقٌ عقليٌّ.
وقد بَذَلَ نُوحٌ معهم جميعَ أنواع الحُجَجِ؛ سواءً العقليَّةَ أو التَّرغيب أو التَّرهيب ومع ذلك لم يُجْدِ.
قوله: {وازْدُجِر} .
أي: هدَّدوه، وأغلظوا له القَوْلَ، وانتهرُوهُ، وَزُجِرَ.
وقَدْ حَكَى القُرْآَنُ في آياتٍ أُخْرَى ألوانًا من هذا الزَّجْرِ والإيذاءِ، ومِنْ ذلك قوله- تعالى- كما حكى عنهم: {قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} .
قوله: {فَدَعَارَبَّهُأَنِّيمَغْلُوبٌفَانْتَصِرْ} .
حينما طَالَ العهدُ ولم يَسْتَجِبْ له إلاَّ القَلِيلُ، وأوحى اللهُ إليه أنَّه لن يؤمن مِنْ قَوْمِكَ إلاَّ مَنْ قد آَمَنَ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ.
ودعاءُ نُوحٍ في سؤاله اللهَ أن يهلكَهم إهلاكًا مستأصلًا: {لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا} .
وَذَكَرَ اللهُ في هذه الآية الكريمة أنَّنَبِيَّهُ نُوحًا دَعَاهُ قائلًا أنَّقَوْمَهُ غَلَبُوهُ، سائلًا ربَّه أن ينتصر له منهم، وينصر دِينَهُ؛ {أَنِّيمَغْلُوبٌفَانْتَصِرْ} ؛ أي: لا قُدْرَةَ لي عليهم.
-فوائدُ من دعوة نوحٍ عليه السَّلام:
رُبَّ دَعْوَةٍ من مستضعفٍ أَهْلَكَتْ طُغَاةً. العِبْرَةُ لَيْسَتْ بِطُولِ الدُّعاء، ولكن بصدق الدَّاعي واضطراره وإخلاصه، وفي ذلك دَعْوَةٌ وَاحِدَةٌ تغيَّرت مِنأَجْلِهَا السَّماءُ والأرضُ.
قوله: {فَفَتَحْنَاأَبْوَابَالسَّمَاءِبِمَاءٍمُنْهَمِرٍ} .
أَجَابَ اللهُ دعاءَ نُوحٍ، وَأَمَرَهُ باتِّخاذ سَفِينَةٍ، فَقُطِعَ دَابِرُ الكافرين، وانتصر اللهُ لعباده المؤمنين؛ فَأَمَرَ السَّمَاءَ أن تَنْهَمِرَ بماءٍ كَثِيرٍ متدفِّقٍ، وَنَبَعَتْ جَمِيعُأرجاء الأرض؛ حتَّى التَّنُّور الَّذي هو محلُّ النَّار نَبَعَ بالماء.
قوله: {وَفَجَّرْنَاالْأَرْضَعُيُونًافَالْتَقَاالْمَاءُعَلَاأَمْرٍقَدْقُدِرَ} .
أَيِ: التقى ماءُ السَّماء وماءُ الأرض.
قوله: {عَلَاأَمْرٍقَدْقُدِرَ} .
أي: على أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ وَقَضَاهُ.
قوله: {وَحَمَلْنَاهُ} .
هنا بَيَّنَ اللهُ مَاذَا حَصَلَ لنوحٍ؛ أَنْجَى اللهُ نُوحًا والَّذين آمنوا معه، وما آَمَنَ معه إلاَّ قَلِيلٌ.
قوله: {عَلَاذَاتِأَلْوَاحٍوَدُسُر} .
يُشْعِرُ السِّيَاقُ أنَّالله أَنْجَى نُوحًا ومن معه على سَفِينَةٍ بَسِيطَةٍ؛ وهي دلالةٌ على قُدْرَتِهِ؛ فالألواحُ هي الخَشَبُ، والدُّسُرُ المَسَامِيرُ. وقيل: الحِبَالُ الَّتي تَرْبِطُهَا.
وَجَعَلَ اللهُ هذه الصَّنْعَةَ آَيَةً على قدرته، وَرَغْمَأنَّها تَجْرِي بهم في مَوْجٍ كالجبال، والسَّفينةُ صُنِعَتْ مِنْأَشْيَاءَ بَسِيطَةٍ، ولكنَّ الحَافِظَ اللهُ-سُبْحَانَهُ - فاللهُ خَيْرٌ حافظًا، وهو أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
قوله: {تَجْرِيبِأَعْيُنِنَا} .