فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 581

فَحَالُهُمْ كالمجرم المعاند الَّذي أُلْقِيَ عليه القَبْضُ، وبعد عناده وتكبُّره يصبح ذليلًا خاضعًا، وقبلها كان يتكبَّر ويتجبَّر.

ولذلك وصف اللهُ حالهم: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} .

وهذا فيه تَسْلِيَةٌ لنبيِّنا محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وَوَعِيدٌ للكافرين.

قوله: {يَخْرُجُونَمِنَالْأَجْدَاثِكَأَنَّهُمْجَرَادٌمُنْتَشِر} .

أي: مِنَ القُبُورِ في كَثْرَتِهِمْ وَسَيْرِهِمْ كأنَّهم جرادٌ منتشرٌ؛ مَلَأَ الآفاقَ.

ولمَّا تركوا الحقَّ، خرجوا كالتَّائه على غير هدًى، عاشوا في الدُّنيا في حيرةٍ واضطرابٍ في عقيدتهم، فبُعِثُوا كالتَّائِهِ على غير هدًى.

قوله: {مُهْطِعِينَإِلَاالدَّاعِ} .

أي: مُسْرِعِينَ؛ أي: يُسْرِعُونَ الخُطَا نَحْوَ أَرْضِ المَحْشَرِ.

والمتأمِّلُ في هذه الآيات هي تَصِفأَحْوَالَ الكفَّار حينما يخرجون من القبور إلى أرض المحشر أَذِلَّةً ضعفاء ينظرون نَظَرَ الخائف المفتضح، كأنَّهم الجرادُ المنتشرُ في الكثرة والتَّموُّج والاضطراب، ويخرجون مسرعين نحو الدَّاعي بِذُعْرٍ دونَ أن يَلْوُوا على شيءٍ، وليس في إمكانهم المخالفةُ، أو التَّأخُّرُ، فيكون خروجُهم قهريًّا، يصحبه إسراعٌ وَخَوْفٌ وَذُعْرٌ.

قوله: {يَقُولُالْكَافِرُونَهَذَايَوْمٌعَسِرٌ} .

يقولون على سبيل التَّحسُّر والتَّفجُّع: «هذا يَوْمٌ شَدِيدُ الصُّعُوبَةِ والعُسْرِ» .

ومفهومُه أنَّهذا اليَوْمَ يَسِيرٌ على المؤمنين، عَسِيرٌ على الكافرين.

وَسَبَبُ عُسْرِهِ ومشقَّته على الكافرين أنَّهم لم يحسبوا له حسابَه، ولم يستعدُّوا له، فمن استعدَّ لذلك اليوم سَهُلَ عَلَيْهِ، ومن أَتْبَعَ نَفْسَهُهواها وتمنَّى على الله الأمانيَّ، عَسُرَ عليه، وَصَعُبَ.

-فائدةٌ:

أمامنا أَهْوَالٌ عَظِيمَةٌ لا يعلمها إلاَّ اللهُ، وكلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ينتظره قبرُهُ، واللهُأَعْلَمُ ماذا ينتظرنا فيه؟

نبيُّنا محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - يُقْسِمُ: «وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» . رواه البخاري.

هُنَاكَ من يَسْمَعُ أو يقرأ هذه الأَهْوَالَ وكأنَّها قَصَصُ تَارِيخٍ. أهوالٌ عظيمةٌ تَمُرُّ علينا وكأنَّها قَصَصٌ عَادِيٌّ.

الله أكْبَرُ. لو تصوَّرْنَا هذه المواقف العظيمة الَّتي تنتظرنا يوم القيامة، كيف يكون حالُنا فيها، هل نحن من أهل النَّجَاةِ أم نحن من أهل الأهوال؟

نحن جميعًا مهدَّدون بالنَّارِ والعذاب، ولا ندري كيف حالنا؛ هل ننجو من النَّار؟

إنَّالوَاحِدَ لا يتحمَّل جَمْرَةً يَقْبِضُ عليها، ويكاد يتفطَّر قلبُه من الألم، فكيف بمن غَمَرَتْهُ النَّارُ سَبْعِينَ خَرِيفًا؟ وكيف بمن هو خالدٌ مُخَلَّدٌ في النَّار؟

يقول أبو مسلم الخولانيُّ: «ما عَرَضَتْ لي دَعْوَةٌ فتذكَّرتُ النَّارَ إلاَّ صرفتُها إلى الاستعاذة بالله من النَّار» . قلوبُهم وَجِلَةٌ.

قوله: {كَذَّبَتْقَبْلَهُمْقَوْمُنُوحٍفَكَذَّبُواعَبْدَنَاوَقَالُوامَجْنُونٌوَازْدُجِرَ} .

بَعْدَ أن وَصَفَ اللهُأحوالَ الكَافِرِينَ في ذلك اليوم، عَرَضَ جانبًا من مَصَارِعِ الأُمَمِ السَّابقة الَّتي كذَّبت رُسُلَهَا.

قَوْمُ نُوحأَرْسَلَ اللهُ إليهم نبيَّه نُوحًا لمَّا حَدَثَ فيهم الشِّرْكُ، وهو الغُلُوُّ في الصَّالحين، واستمرَّ نُوحٌ يَدْعُوهُم أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسينَ عَامًا، ولم يَسْتَجِبْ له إلاَّ القَلِيلُ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ.

قوله: {فكذَّبُوا عَبْدَنَا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت