أَيِ: اسْتَمَرُّوا في التَّكذيب. وبيَّن سَبَبَ ذلك باتِّباعِهِمُ الهَوَى، وَعَدَمِ البَحْثِ عن الحَقِّ؛ فاتِّباعُ الهوى أساسُ كلإعراضٍ وتكذيبٍ.
قوله: {وَكُلُّأَمْرٍمُسْتَقِرٌّ} .
أي: وَاقِعٌ. أَيِ: الأمورُ ثَابِتَةٌ كما أرادها اللهُ؛ فكلُّ أَمْرٍ مِنْ خَيْرٍ أو شَرٍّ وَاقِعٌ بأهله يومَ القيامة؛ فَأَهْلُ الخير ينتفعون بالآيات، وأهلُ الشَّرِّ والضَّلالِ لا يَنْتَفِعُونَ بالآيات.
قال قتادة: «معناه أنَّالخَيْرَ وَاقِعٌ بأهل الخير، والشَّرَّ وَاقِعٌ بأهل الشَّرِّ» .
قوله: {وَلَقَدْجَاءَهُمْمِنَالْأَنْبَاءِمَافِيهِمُزْدَجَرٌ} .
ثمَّ بيَّن- سبحانه- أنَّهم قَوْمٌ لا تتأثَّر قلوبُهم بالمَوَاعِظِ والنُّذُرِ؛ فقد جاء كفَّارَ قُرَيْشٍ من أنباء الأممالمكذِّبة بِرُسُلِهَا، وما حلَّ بها من العذاب، ما فيه كفايةٌ لِرَدْعِهِمْ عن كفرهم وضلالهم.
قوله: {حِكْمَةٌبَالِغَةٌ} .
أي: إصرارُهم على كفرهم وعنادهم حِكْمَةٌ من الله؛ لأنَّهم لا يصلحون لها، وليسوا موضعًا للهداية؛ فهل يستحقُّ هؤلاء الهداية بعد أن عرفوا الحقَّ وتركوه.
قوله: {فَمَاتُغْنِالنُّذُرُ} .
أي: لا تفيده، ولا تغنيه النُّذُرُ. والنُّذُرُ تشمل الرُّسُلَ وتشمل الحوادثَ والوقائعَ، وكلُّها نُذُرٌ من ينتفع.
وهؤلاء مهما رأوا مِنْ آَيَاتٍ لا يقبلون الحقَّ، ويصرُّون على الباطل؛ لأنَّهم لا يريدون الحقَّ.
فما تغني النُّذُرُ مَنْ كُتِبَ عليه الشَّقاوةُ، وخُتِمَ على قلبه، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بعد الله؟
-فائدةٌ عظيمةٌ:
أكثرُ النَّاس أصحاب هوًى لا يتَّبعون الحقَّ، وإنَّما يتَّبعون الباطلَ وما تهوى الأنفسُ.
يقولُ أَحَدُ الإخوة: «حَضَرْنَا وليمةَ عُرْسٍ، وبعد الانتهاء من العشاء والموعظة، جاءوا بمكبِّرات الصَّوت، ورفعوا أصواتَ الطَّرَبِ والإيقاعات وقالوا شيلات طربٍ ما بعده طربٌ تهون معها الطُّبُولُ وآلةُ اللَّهو وقالوا: إنَّها شيلاتٌ. ولكن المسمَّياتُ لا تغيِّر الحقائق» . الشاهد لايتبعون الحق ولو جاءتهم كل آية
قوله: {فَتَوَلَّعَنْهُمْ} .
أي: اتركهم، وأَعْرِضْ عنهم في غَيِّهِمْ وَكِبْرِهِمْ وعنادهم وتجبُّرِهم؛ لأنَّك قد أدَّيْتَ الأمانةَ، وأقمتَ عليهم الحجَّةَ.
وهذا الأمرُ كان في البداية، فلمَّا هاجر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وصار له قوَّةٌ، أَمَرَ بجهاد الكفَّار. بعضُ الخصومات لا دَوَاءَ لها إلاَّ الإعراضُ عنها.
قوله: {يَوْمَيَدْعُالدَّاعِإِلَاشَيْءٍنُكُرٍ} .
أَيِ: اتْرُكْهُمْ؛ فَسَوْفَ يَنْدَمُونَ حينما ينادي المنادي. وهذا عند البَعْثِ، والدَّاعِي هو إسرافيلُ حينما يَنْفَخُ نَفْخَةَ البعث، ويدعو الأَمْوَاتَ إلى أن يَقُومُوا من قُبُورِهِمْ، فَتَجْتَمِعَأَعْضَاءُهُمْ وشعورُهم ولحومُهم وعظامُهم، ويقومون من قبورهم كما خَلَقَهُمُ اللهُ أوَّلَ مَرَّةٍ.
قوله: {إلى شَيْءٍ نُكُرٍ} .
أي: أَمْرٍ فَظِيعٍ وَهَائِلٍ وَمُنْكَرٍ لم تَأْلَفْهُ النُّفُوسُ؛ وهو مَوْقِفُ الحساب وما فيه من البَلاءِ، بل والزَّلازل والأهوال.
قوله: {خُشَّعًاأَبْصَارُهُمْ} .
أي: ذليلةًأبصارُهم، وَخَائِفَةً. وإذا نَظَرْنَا إلى حالهم في زمان المُهْلَةِ والسَّعَةِ والإنذار؛ كانوا يكابرون ويعاندون، فإذا رأوا يومَ القيامة، وجاء الحقُّ ندموا، وعرفوا الحقَّ.