-الأوَّلى: يعجبون من هذا الحديث.
الحديثُ هو القرآن؛ يقول الله تعالى: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} ، وقال سبحانه: {وَمَنْأَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا} .
وفي الحديث أنَّأَصْدَقَ الحديث كِتَابُ الله؛ فالقرآنُ هو الحديث، والمتحدِّث به هو الله.
هذه سُورَةٌ عَظِيمَةٌ بَدَأَهَا اللهُ بِتَصْدِيقِ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وَخَتَمَهَا بِتَصْدِيقِ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -؛ {هذا نَذِيرٌ} ، وَبِتَصْدِيقِ القرآن.
قوله: {تعجبون} أي: تُنْكِرُونَ وتكذِّبون أنَّه وَحْيٌ من الله.
فالتَّعجُّب الغَرَضُ منه التَّكْذِيبُ، فيقولون أنَّه كَلَامُ بَشَرٍ أو أَسَاطِيرُ الأوَّلين، وهذا مِنْ جَهْلِهِمْ وَضَلالِهِمْ وَعِنَادِهِم.
فالعَجَبُ قَدْ يَكُونُ اسْتِبْعَادًا وتكذيبًا؛ تقول: فُلانٌ يَدَّعِي أنَّه فَعَلَ كَذَا؛ سَقَطَ من السَّماء وشكلُها بعيدةٌ.
فالكفَّارُ لمَّا سمعوا القرآنَ كما في أوَّلِ سُورَةِ ق {بَلْ عَجِبُوا} معناه اسْتِبْعَادٌ وَتَكْذِيبٌ.
وقد يَكُونُ العَجَبُ اسْتِحْسَانًا، كما في أوَّل سورة الجنِّ؛ {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} ؛ أي: لا تنقضي عجائبُه.
وهذا الأمرُ مَوْجُودٌ في واقع النَّاس؛ أَحْيَانًا يذكرون أمرًا تعجُّبًا والغرضُ منه الاستبعادُ والاستنكارُ والتَّكذيبُ.
والثَّانية والثَّالثة: قولُه: {وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ} .
كانوا يَضْحَكُونَ استهزاءً؛ فلو هدَّدك شخصٌ وأنت تضحك استهزاءٌ به.
{ولا تبكون} رَغْمَ مَا وَرَدَ في القرآن من التَّهديد والوعيد لمن كذَّب {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا استَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون} .
ونشكو حالَنا إلى الله، هل نبكي حينما نسمع كلام الله؟ وإذا لم نَبْكِ فمعناه أنَّه ليس في قلوبنا خَوْفٌ، فلا نبكي، ولا نخاف.
والرابعة: قوله: {وَأَنْتُمْ سَامِدُون} .
أي: غَافِلُونَ لاهُونَ تُغَنُّونَ؛ كانوا إذا سمعوا القرآنَ تشاغلوا عنه بالإعراض واللَّعب واللَّهو.
السُّمُودُ هو الغفلةُ واللَّهوُ والإعراضُ، ويأتي السُّمودُ عند العرب بمعنى الغِنَاءِ والطَّرَبِ والموسيقى.
ولكنَّ اللَّهعَممُّ؛ فيَدْخُلُ فيه الغناءُ والغَفْلَةُ.
وهناك اليومَ مَنْ إِذَا سَمِعَ مَوْعِظَةً، قام يتشاغل عنها بحديثٍ أو لهوٍ أو إعراضٍ.
إذا تبيَّن هذا كلُّه فأقسم اللهُ في بداية السُّورة أنَّنبيَّه محمَّدًا- صلَّى الله عليه وسلَّم - على الحقِّ في أقواله وأفعاله، وأبطل عبادةَ الأصنام، ولأنَّها لا تنفع ولا تضرُّ، وأنَّ ما يعبدونه ليس عندهم يَقِينًا؛ إنَّما هو ظنونٌ وتقليدٌأعمى لمن سَبَقَهُمْ.
ثمَّ بيَّن سبب إعراضهم بسبب حبِّ الدُّنيا، ثمَّ بَيَّنَ - سبحانه - جُمْلَةً من أفعاله الدَّالَّةِ على قدرته وعظمته، وأنَّ من يضحك ويبكي ويحيي ويميت ومن يبدأ الخَلْقَ ثمَّ يُعِيدُهُ ومن يُغْنِي وَيُقْنِي هو من يستحقُّ العبادةَ.
ثمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُ بأنَّ القرآنَ حَقٌّ من عند الله؛ فبعد البيان الواضح مِنَ الخَيْرِ لكم والأَلْيَقِ بكم أن تَسْجُدُوا لله وتعبدوا.
قوله: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} .
بَعْدَ أن تَبَيَّنَ لَكُمُ الحَقُّ، فَمِنَ الخير لكم أن تسجدوا لله، وتعبدوه. فَأَمَرَهُمْ بأعظم أنواع العبادة، وأعظمِ ما يكون في العبادة، وهو السُّجود؛ {كَلّاَ لا تُطِعْهُ واسجُدْ واقْتَرِبْ} .
{فاسجدوا لله} .