قوله: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} .
أي: دَمَّرَ وَأَفْنَى عَادًا الأولى، وهم قَوْمُ هُودٍ- عليه السَّلام - وَثَمُودُ هم عَادٌ الثَّانِيَةُ، وهما أُمَّتَانِ، الأولى تسكن جنوب الجزيرة، والثَّانية تسكن شمالَ الجزيرة، ولا تزال مساكنُهم قَائِمَةً إلى اليوم.
وهما أُمَّتَانِ طَاغِيَتَانِ عَاتِيَتَانِ، كفروا بالله، وَعَصَوْا رُسُلَهُ، واتَّبعوا أَمْرَ كلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، فأهلكهما اللهُ بالصَّاعقة؛ {إِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} .
قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} .
مِنْ قَبْلِ عَادٍ وَثَمُودَ قَوْمُ نُوحٍ، وَدَخَلَ عليهم الشَّيْطَانُ مِنْ طَرِيقَيْنِ؛ الغلوِّ، والتَّصويرِ صُورَةَ الصَّالحين لمَّا ماتوا صُوَرًا تذكاريَّةً، وقد نَصَبُوهَا بمجالسهم.
وَبَعْدَ مَوْتِ علمائهم زَيَّنَ لهم الشَّيْطَانُ عبادتَهم، وهو أَوَّلُ شِرْكٍ في الأرض، وَبَعَثَ اللهُ إليهم نُوحًا، وَمَكَثَ فيهم أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عامًا، فكذَّبوه، فأهلكم اللهُ بِعَذَابٍ اسْتِئْصَالِيٍّ؛ الغَرَقِ، والطُّوفان، وَنَجَّى نوحًا وَمَنْ مَعَهُ.
قوله: {هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} .
أي: أَظْلَمَ النَّاس، وأطغى البشر؛ لأنَّ نُوحًا- عليه السَّلامُ - مَكَثَ فيهم أَلْفَ سَنَةٍ، فكانوا أَظْلَمَ النَّاس، وأطغى الأمم. بَذَلَ معهم كلَّ وَسِيلَةٍ في الدَّعوة، فلم يُجْدِ فيهم.
قوله: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} .
هم قُرَى قَوْمِ لُوطٍ؛ كَانُوا يأتون الفَاحِشَةَ، وهي أَشْنَعُ جَرِيمَةٍ، وَأَصَرُّوا على فَعْلَتِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ وَفَعْلَتِهِمُ الشَّنِيعَةِ، وكانوا يأتون في ناديهم المُنْكَرَ.
{المؤتفكة} أي: المُنْقَلِبَةَ. قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا.
{أهوى} ؛ أي: أُسْقِطَتْ عَلَيْهَا حجارةٌ من نارٍ.
قوله: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} .
أي: غطَّاها من العذاب أنواعٌ مختلفةٌ؛ مِنْ قَلْبِهَا عليهم، والخَسْفِ بهم، وَرَمْيِهِم بالحِجَارَةِ، وحصبهم.
قوله: {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} .
هذا خِطَابٌ للإنسان؛ بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ نِعَمِ ربِّك تَتَمَارَى؟
{تتمارى} أي: تَشُكُّ وَتَجْحَدُ وَتُنْكِرُ.
قوله تعالى: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} .
أي: الرَّسولُ نَذِيرٌ مثلما سَبَقَ من النُّذُرِ.
وقيل: «هذه الأمورُ الَّتي سَمِعْتُمْ بها وما ذُكِرَ مِنْ هَلَاكِ الأُمَمِ نَذِيرٌ لكم، وما نزل بهم» .
والمعنى إمَّا أن يكون الرَّسولُ نَذِيرًا أَوْ يكون العذابُ نَذِيرًا، ولا يُمْنَعُ كِلاهُمَا.
خُتِمَتِ السُّورَةُ بِتَهْدِيدِ الكفَّار الَّذين استكبروا عن اتِّباع وإجابة نبيِّنا محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - هدَّدهم بقرب القيامة.
قوله: {أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ} .
أي: قَرُبَتِ القِيَامَةُ، وَدَنَا وَقْتُهَا.
قوله: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} .
لا يَعْلَمُ بها وَبِأَمْرِ موعدها إلاَّ اللهُ، ولا يَكْشِفُهُ ولا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَوْعِدِ القِيَامَةِ إلاَّ اللهُ.
وأيضًا إذا أَتَى يومُ القيامة فلا أَحَدَ يستطيع دَفْعَ العذاب، ولا رَفْعَهُ.
قوله: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ} .
ذَكَرَ الله فيهم أَرْبَعَةَأُمُورٍ حينما يَسْمَعُونَ القُرْآَنَ: