أي: خَلَقَ النَّوْعَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثَى، نَاطِقَهَا وَبَهِيمَهَا، مِنْ نُطْفَةٍ واَحْدَة.
فالأصلُ وَاحِدٌ، ولكن من قدرته جعل منه ذَكَرًا، وجعل منه أنثى، ولا أَحَدَ يستطيع أن يفعل ذلك إلاَّ هو.
فَهُوَ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِهَا، وهذا مِنْ دَلَائِلِ كَمَالِ قدرته، وعجائب صُنْعِهِ وعظمته، فهل تستطيع الأصنامُ أن تَفْعَلَ ذلك؟ أروني ماذا خلقوا؟
قوله {مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى}
ثمَّ لمَّا خلق الإنسانَ مِنْ نُطْفَةٍ، رَفَعَ الإنسانَ الطَّائعَ لله إلى أعلى المقامات أعلى عِلِّيِّينَ، وَأَدْنَى الإنسانَ العَاصِيَ إلى أَسْفَلِ سَافِلِينَ.
فاللهُ وَحْدَهُ هو مَنْ بِيَدِهِالإيجادُ والتَّكْوِينُ والخَلْقُ؛ فَهُوَ وَحْدَهُ من يستحقُّ العبادةَ.
ما تضمَّنَتْهُ الآَيَةُ أنَّاللهَ خَلَقَ النَّوعين من نُطْفَةٍ، وَخَلَقَ - سبحانه - الأزواجَ مِنْ جَمِيعِ المخلوقات؛ لأنَّها يحصل منها التَّناسلُ وَبَقَاءُ النَّوْعِ.
قوله: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} .
الَّذين ينكرون البَعْثَ لو فكَّروا في البَدَاءَةِ، لَمَا أَنْكَرُوا الإعادةَ، ولذلك لمَّا بَيَّنَ اللهُأنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ ابْتِدَاءً، تَكَفَّلَ بإعادتهم مَرَّةًأُخْرَى؛ فَمَنْ مَنَّ بالإيجاد يَمُنُّ بالإعادة مرَّةً أُخْرَى، فاستدلَّ بالبداءة على الإعادة.
والسُّؤالُ: ما الَّذي جعل الكفَّارَ يَكْفُرُونَ ويعاندون؟
بسبب إنكارهم للبعث.
وتضمَّنت الآيةُأيضًا أنَّ اللهَ قَادِرٌ على البَعْثِ، وأنَّ اللهَ ما خَلَقَ الإنسانَ إلاَّ لِيَخْتَبِرَهُ وَيُجَازِيَهُ بعدها على عَمَلِهِ.
قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} .
الأَصْلُ في الإنسان أنَّه يخرج مِنْ بَطْنِأمِّه لا يملك شيئًا، وليس معه مَالٌ ولا وَلَدٌ، فأغناه اللهُ بَعْدَ فَقْرِهِ؛ {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} ؛ أي: أعطى الأموال الكثيرة، فجعلهم أَغْنِيَاء.
قوله: «وأَقْنَى» تأتي بمعنى «ادَّخر» كما قال عيسى: {وأنبئكم بما تدخرون في بيوتكم} .
و «أعطى» القُنْيَةَ وهو المالُ الَّذي يَقْتَنِيهِ ويدَّخره، فأعطاهم ما يقتنونه. القُنْيَةُ هي بمعنى الادِّخار للشَّيء، وكلُّه من الله.
فأغناه اللهُ بالمال والطَّعام والصِّحَّة، وَجَعَلَ له ما يَدَّخِرُهُ، وَزَادَهُ على قُوتِ يَوْمِهِ، وأعطاه ما يدَّخر قُوتَ عَامٍ أَوْأَعْوَامٍ أو العُمُرَ كلَّه.
وقيل: «أقنى» ؛ أي: أَقْنَعَهُ وَأَرْضَاهُ. وَقِيلَ: القنى بمعنى أفقره.
فالله يذكِّرنا بِنِعِمَهِ علينا؛ {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله} حتَّى نَشْكُرَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنوحْدَهُ.
قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} .
هو نَجْمٌ مُضِيءٌ يَخْرُجُ في شدَّة الحَرِّ، ويكون خَلْفَ الجَوْزَاءِ، وهو مِنَ النُّجومِ السَّيَّارَةِ.
ونصَّ عليه بالذَّات؛ لأنَّ هذا النَّجْمَ قد عُبِدَ في الجاهليَّة، واتَّخذوه رَبًّا، فَبَيَّنَ اللهُ أَنَّهذا النَّجْمَ مَرْبُوبٌ، وأنَّه مَخْلُوقٌ.
فَبَيَّنَ لهم أنَّهذا النَّجْمَ الَّذي تعبدونه هو مَخْلُوقٌ من مخلوقات الله، فكيف تعبدونه من دون الله؟
فبيَّن اللهُ أنَّالشِّعْرَى من جملة المخلوقات المربوبات، وليست إلهًا، ولا يستحقُّ العبادة، وأنَّ اللهَ هو الَّذي يستحقُّ العبادةَ وَحْدَهُ.
الحَمْدُلله على نعمة العقل والهداية؛ فَلَمْ يَجْعَلْنَا نَسْجُدُ لِبَشَرٍ ولا لحَجَرٍ وَلالشَجَرٍ، وعافانا من هذه الضَّلالاتِ، وَجَعَلَنَا نَسْجُدُللهِ الَّذي خَلَقَنَا وَصَوَّرَنَا وَشَقَّ سَمْعَنَا وَبَصَرَنَا، وَهَدَانَا للحقِّ، فلم يَجْعَلْهُ يلتبس علينا، فَنَضِلَّ، أو نَزِيغَ.