وهذا عَامٌّ إلاَّ ما خُصِّصَ بالدَّليل كما سبق، ثمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا جُمْلَةً من أَفْعَالِهِ الدَّالَّة على عظمته وقدرته واستحقاقه للعبادة وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له.
{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} .
أَيِ: المَصِيرَ، ومنتهى الخلائق. فلا أَحَدَ يُفْلِتُ مِنَ الله، أو يَهْرُبَ منه، فيكون المنتهى إلى الله في الحُكْمِ بين النَّاس، وفي الحكم للنَّاس، فيجازيَهم بأعمالهم، فيدخل المحسنَ الجنَّةَ، ويُدْخِلُ المُسِيءَ النَّارَ. فهذا يَضْحَكُ، والآَخَرُ يَبْكِي.
لمَّا ذَكَرَ اللهُأَحْوَالَ الإنسانِ في الآخرة، وأنَّه سَيُحَاسَبُهم، ذَكَرَ اللهُ بَعْدَهَا الأدلَّةَ الدَّالَّةَ على ألوهيَّتِه- سبحانه - والاعتبارِ بِأَحْوَالِ الإنسان، وما يحيط به من مؤثِّراتٍ، تَارَةً تُضْحِكُهُ، وَتَارَةً تُبْكِيهِ، وكلُّها دالَّةٌ على عظمة الله، وأنَّه المستحقُّ للعبادة وَحْدَهُ.
قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} .
اللهُ الَّذي جَعَلَ في الحياة أسبابًا للضَّحك وأسبابًا للبكاء، وهذه الأسبابُ يميِّزها الإنسانُ بِفِعْلِهِ.
فهو يضحك لما ينفعه، ويحزن لما يضرُّه، أو لشيءٍ مَحْسُوسٍ أو موعودٍ، لكن مَنِ انْتَكَسَ بفطرته أو ضاع عَقْلُهُ، أَصْبَحَ يَضْحَكُ ولا يميِّز ما يضرُّه ولا ينفعه؛ فيضحك لما يضرُّه، ويحزن لما ينفعه.
أهلُ النَّارِ يَبْكُونَ، وَأَهْلُ الجنَّة يضحكون؛ ليس في الجنَّة بُكَاءٌ، وسبب بكاء أهل النَّار العذابُ.
وهناك مَنْ يَضْحَكُ ممَّا يُبْكَى منه، ويبكي ممَّا يُضْحَكُ منه؛ لأنَّه لا يميِّز ما ينفعه وما يضرُّه.
تصوَّر طِفْلًا يبكي وأنت تمنعه من عبور الطَّريق خوفًا عليه من السَّيَّارات؛ فهو يبكي لأنَّه لا يميِّز ما ينفعه وما يضرُّه.
اللهُ وَحْدَهُ هو الَّذي خَلَقَ المتضادَّات، وهي دالَّةٌ على ألوهيَّته، وأنَّه هو المستحقُّ للعبادة.
فهو وَحْدَهُ الَّذي خلق الضَّحِكَ، وهو وَحْدَهُ الَّذي خَلَقَ البكاءَ؛ فَخَلَقَ هذا، وَخَلَقَ هذا، وَجَعَلَ لكلٍّ منهما أسبابًا.
فكما جَعَلَ للهُدَى أسبابًا جَعَلَ للضَّلالِأسبابًا، وأتى بالأمرين وهما متقابلان؛ لِيُعْلَمَ بذلك أنَّاللهَ - سبحانه وتعالى - على كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو القادرُ على خَلْقِ الضِّدَّيْنِ.
وهذا من عجائب قُدْرَتِهِ، ومن يفعل هذا هو من يستحقُّ العبادةَ، أمَّا هذه الآلهةُ الَّتي يعبدونها فلا تَفْعَلُ شَيْئًا؛ فلا تحيي، ولا تُمِيتُ، ولا تُضْحِكُ، ولا تُبْكِي.
قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} . مِثْلُقَوْلِهِ: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} .
أي: وهو وَحْدَهُ الَّذي أحيا من يريد إحياءَه من مخلوقاته، وَأَمَاتَ من يريد إماتَتَهُ منهم.
فلا أَحَدَ يَمْلِكُ المَوْتَ والحياةَ إلاَّ اللهُ؛ فاللهُ هو الَّذي يحيي فيوجِدُ من العَدَمِ، ثمَّ يُمِيتُ الأَحْيَاءَ بَعْدَ حَيَاتِهِمْ، ثمَّ يَبْعَثُهُمْأَحْيَاءً.
فالإحياءُ والإماتةُ من خصائص الله؛ فلا يَقْدِرُ عليها غَيْرُهُ.
وفي قصَّةِإبراهيمَ - عليه السلام - مع النَّمرود حينما قال إبراهيمُ - عليه السلام: «ربِّي الَّذي يُحيي ويُميت» قال: «أنا أُحْيي وأُميت» . أي: قال إبراهيمُ ربِّي الَّذي بيده الحياة والموت، يحيي من يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء. قال: «أنا أفعل ذلك، فَأُحْيِي وَأُمِيتُ، أَقْتُلُ هذا، وأستحيي هذا» .
لكن لا يستطيع أن يَقْتُلَ شخصًا ثمَّ يُحْيِيهِ مَرَّةً أُخْرَى، أمَّا أن تَقْتُلَ هذا وتعفو عن هذا فكلُّ البَشَرِ يفعلون هذا.
لمَّا بيَّن- سبحانه -أنَّه أمات وأحيا، ذَكَرَ الأدلَّةَ الدَّالَّةَ على أنَّه يُحْيِي وَيُمِيتُ، فأوجد الإنسانَ مِنَ العَدَمِ، وَمِنْ نُطْفَةٍ.
قوله: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} .