فَقَامَ بِجَمِيعِ الأَوَامِرِ، وَتَرَكَ جَمِيعَ النَّواهي، وبلَّغ الرِّسَالَةَ على التَّمام والكَمَالِ، فاستحقَّ بهذا أن يكون للنَّاس إمامًا يُقْتَدَى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله.
لِذَلِكَ نَاسَبَ مَجِيءَ تَوْفِيَةِإبراهيم، وَتَكْمِيلِهِ لِعَمَلِهِ، وَتَكْمِيلِهِ لطاعة ربِّه، وتبليغ رسالة ربِّه كاملةً بعد ذمِّ الَّذي أكدى؛ لأنَّ المَسْأَلَةَ ليست مبنيَّةً على كثرة الأعداد في سائر العبادات.
إنَّما العبرةُ أن تكون على الوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذي يُرْضِي اللهَ؛ فقد سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَأَلْفِ دِرْهَمٍ، وليست العِبْرَةُأيضًا القِلَّةَ أو الكثرة، إنَّما العِبْرَةُ بحقائق الإيمان؛ فالشَّيءُ القَلِيلُ على طاعة الله وكانت النِّيَّةُ للهِ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ، إذا خَالَطَهُ المَنُّ والرِّياءُ.
قوله: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .
هنا شَرَعَ في بيان ما أَوْحَاهُ اللهُ في صُحُفإبراهيم وموسى.
والمعنى: أي أنَّالإنسانَ لا يَحْمِلُ ذَنْبَ غَيْرِهِ.
قوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} .
أي: ليس للإنسان مِنَ الثَّوَابِ إلاَّ ثَوَابُ ما سعى وما عَمِلَ؛ فلا يمكن أن يُعْطَى مِنْ ثَوَابِ غَيْرِهِ، كما لا يمكن أن نأخذ من سيِّئات زَيْدٍ ونضيفَها إلى سيِّئات عمرٍو؛ فهذا لا يمكن إلاَّ ما وَرَدَ من اقتصاص المظلوم من الظَّالم، فصار الإنسانُ مرتهنًا بكسبه. وهذا هو الأصل.
-وفيه فوائدُ:
قال ابنُ كَثِيرٍ: «إنَّإِهْدَاءَ القُرَبِ والأعمال الصَّالحة إلى الغير يُقْتَصَرُ فيه على النُّصوص، ولا يتصرَّف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. فأمَّا الدُّعاءُ والصَّدقةُ فَذَاكَ مُجْمَعٌ على وصولهما، وَمَنْصُوصٌ من الشَّارع عليهما» .
وَمِنْ هنا يرى البعضُ أنَّالقُرَبَ لا يَجُوزُ إهداؤها للأحياء ولا للأموات. قالوا: لأنَّ اللهَ قال: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} .
وَذَهَبَ البعضُ إلى أنّفيه نظرًا؛ لأنَّ الإنسانَ ليس له إلاَّ سَعْيُهُ، كما أن ليس له إلاَّ مالُه، ولكن قد يَهَبُ له شَخْصٌ شيئًا، فيملكَه بالهبة، فلم تتعرَّض هذه الآيَةُ لانتفاعه بسعي غيره بنفيٍ ولا إثباتٍ.
وقد أجمع العلماءُ على انتفاع المَيِّتِ بالصَّلاةِ عليه، والدُّعاء له، والحجِّ عنه، ونحو ذلك ممَّا ثَبَتَ الانتفاعُ بِعَمَلِ الغَيْرِ فيه.
والآيةُ هنا دَلَّتْ على أنَّه لا يستحقُّ ولا يَمْلِكُ شَيْئًا إلاَّ بِسَعْيِهِ.
والصَّحيحُ - والعلمُ عند الله- أنَّهذه الآَيَةَ جاءت لمناسبٍة، وهي أنَّالرَّجلَ الَّذي قال: أتحمَّل عَنْكَ ذنوبَك. فَأَخْبَرَ اللهُأنَّه ليس له إلاَّ ما سعى، فلا يُؤْخَذَ بِذَنْبِ غَيْرِهُ، ولا يُثَابَ إلاَّ بِعَمَلِهِ.
أمَّا إِهْدَاءُ القُرَبِ مِنَ الغَيْرِ فَشَيْءٌ وَرَدَ به النَّصُّ؛ كالصَّدقة، والدُّعاء، والحجِّ، والعمرة. فهذا لا إِشْكَالَ فيه، وما لم يَرِدْ به النَّصُّ فالأَسْلَمُ التَّوقُّفُ فيه.
قوله: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} .
أي: يرى الإنسانُ عَمَلَهُ في الآخرة؛ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ، فيميِّز بين حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ.
قوله: {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} .
أي: الأَكْمَلَ والأَتَمَّ والأَوْفَرَ.
{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} .
هذه الآياتُ العَظِيمَةُ في آَخِرِ سُورَةِ النَّجْمِ بَيَّنَ اللهُ فيها بَعْضَ مَظَاهِرِ قُدْرَتِهِ، وَجُمْلَةً مِنْأَفْعَالِهِ.
وَهِيَ تَدُلُّ على قدرته وعظمته، وهي من جُمْلَةِ ما ذكر اللهُ في صحف إبراهيم وموسى، وَذَكَرَ فيها أوَّلًا ما يتعلَّق بالإنسان وأعماله وجزائه عند الله، وأنَّه لا يعذِّب أحدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وأنَّ الإنسانَ لا يُثَابُ إلاَّ بِعَمَلِهِ.