وعند أبي داودَ والتِّرمذيِّ عن سَعْدِ بن عبادة - رضي الله عنه- أنَّالنَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «مَنْ حَفِظَ القُرْآَنَ ثُمَّ نَسِيَهُ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ» . ضعيف
وفي رِوَايَةٍ: «لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . كأنَّه اسْتَحْقَرَ العملَ الصَّالحَ مِنْ قِيَامٍ أو صيامٍ أو حفظٍ للقرآن، أو أيِّ طَاعَةٍ كان عليها، ثمَّ تَرَكَهَا؛ رَغْبَةً عنها.
فلمَّا زَهَدَ فيها، دَلَّ على أنَّه ليس لها عِنْدَهُ قِيمَةٌ؛ مثلَ إِنْسَانٍ دَخَلَ في الإسلام والإيمان، ثمَّ تَرَكَهُ، كأنَّه وَجَدَهُ غَيْرَأطَيِّبٍ.
كان يُدَاوِمُ على حضور درسٍ ثمَّ تركه. يدلُّ على نَقْصِ إيمانه، أو أنَّه أَرْهَقَ نَفْسَهُ.
أَكْلَةٌ شَهِيَّةٌ جِدًّا لها طَعْمٌ في المرَّة الأولى، لكن لو داوم عليها ملَّ منها، وَكَرِهَهَا، ومن يشدُّ على نفسه ويرهقها يُلْحِقُهَا سَآَمَةً وَمَلَلًا.
رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهْرَ، والآَخَرُ يَقُومُ اللَّيلَ كلَّه، حوَّله رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أقلِّ شَيْءٍ؛ حتَّى يُدَاوِمَ عليها.
لمَّا فَرَضَ اللهُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - كتبها الله أوَّلًا خمسين، ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - ساعتها ليس عنده خبرةٌ، فلم يراجع ربَّه، فلمَّا قابل موسى - عليه السلام - سَأَلَهُ فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قال: «بِخَمْسِينَ صَلاةً» . فقال: «إنَّ أمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، ارْجِعْ إلى ربِّك، فاسأله التَّخفيف لأمَّتك» .
فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بين موسى وبين الله - تبارك وتعالى - حتَّى جعلها خَمْسًا، فَأَمَرَهُ موسى بالرُّجوعِ وسؤالِ التَّخفيف، فقال: «قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ» .
فلمَّا نفذ، نادى منادٍ: «قد أمضيتُ فَرِيضَتِي، وخفَّفْتُ عن عبادي» . رواه البخاري
فلو كانت خمسين صَلاةً، لَهَلَكْنَا. نَحْنُ قصَّرنا في أداء الصَّلوات الخمس، فكيف لو كانت خمسين؟
قوله: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ} .
هذا اسْتِفْهَامٌ استنكاريٌّ، والخطابُ للوليد؛ بمعنى النَّفْيِ والإِنْكَارِ؛ أي: نَفْيَ عِلْمِهِ بالغَيْبِ في أمور الآخرة، وما يجري فيها؛ فليس عنده فيها عِلْمٌ. أي: ليس عنده عِلْمُ الغيب.
سبب النُّزول لا يَخْلُو من إعطاء شيءٍ في مقابلة تحمُّل الذُّنوب عمَّن أعطى؛ لأنَّ فاعلَ ذلك ليس عنده علمُ الغَيْبِ، فَيَعْلَمَ به.
قوله: {فَهُوَ يَرَى} .
أي: يَعْلَمُ ذلكَ الغيبَ. أي: يرى ما غاب وَيَحْكُمُ على المستقبل؛ أي: يرى أنَّه سينتقل إلى دَارٍ أَفْضَلَ من الَّتي هو فيها.
فالآيةُ هي جُمْلَةُ نَفْيٍ واستنكارٍ؛ إذ لا أَحَدَ عنده عِلْمُ الغيب، ولولا ما أخبر اللهُ بِهِ من النَّعيم في الجنَّة والجحيم لأهل النَّار، ما عَلِمْنَا بهذا شَيْئًا. فَذَمَّهُ أوَّلًا على إعراضه وَبُخْلِهِ. ونفى علمه بالمستقبل حيث يرى انه سينتقل الى دار افضل من الدنيا
قوله: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى} .
«أم» هنا للإضراب بمعنى «بل» ؛ فالآيةُ فيها ذَمٌّ له على جَهْلِهِ وَحُمْقِهِ؛ أنَّ لكلٍّ من إبراهيم وموسى صحفًا لم ينبَّأ بما فيها هذا الكافر، ولم يَكُنْ عالمًا بها هذا المتولِّي الَّذي أعطى قليلًا وَأَكْدَى.
إنَّ الَّذي ضَمِنَ لَهُ تَحَمُّلَ ذُنُوبِهِ بِفِعْلِ ذلك، لم يُنَبَّأْ بِمَا في الصُّحُفِ الأولى.
وَمُخْتَصَرُ القَوْلِ: لا عِنْدَهُ عِلْمُ الغيب بأنَّه يتحمَّل عنه ذنوبه، ولا عنده عِلْمٌ بما في صحف موسى، فَدَلَّ على أنَّه مُعَانِدٌ ومُكَابِرٌ وَضَالٌّ.
أمَّا صحف إبراهيم - عليه السَّلامُ - أَنْزَلَهَا اللهُ - تعالى - على إبراهيم فيها المَوَاعِظُ، وفيها الأحكامُ، لكن لم يبيِّن لنا منها شَيْئًا سِوَى أنَّإِبْرَاهِيمَ - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان على التَّوحيد، وعلى المِلَّةِ المستقيمة.
قوله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} .