فالإنسانُ مَكْشُوفٌأَمَامَ اللهِ، واللهُأَعْلَمُ بِجَمِيعِأَحْوَالِهِ، وَأَعْلَمُ بِجَمِيعِأَعْمَالِهِ؛ فالتَّزْكِيَةُ هنا المرادُ بها الإِدْلَاءُ بِالعَمَلِ، والتَّمَدُّحُ به.
فَلا تُعْجَبْ بِعَمَلِكَ، ولا تَسْتَكْثِرْهُ، ولا تَمْدَحْ نَفْسَكَ؛ فلو نظر الإنسانُ في حقِّ رَبِّهِ، لَعَلِمَأنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّ اللهِ عليه كما ينبغي.
ولذلك يعلم عِلْمَ اليَقِينِأنَّه لا يَسَعُهُ إلاَّ عَفْوُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرَحْمَتُهُ.
قوله: {هُوَأَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} .
وإذا كان اللهُ مُطَّلِعًا على عَمَلِكَ فلا حَاجَةَ لتزكية النَّفس؛ فاللهُأَعْلَمُ بِكَ وبأحوالك كلِّها.
قوله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى} .
هذا استفهامٌ تَقْرِيريٌّ الغَرَضُ مِنْهُ التَّعجُّبُ؛ مِنْ حَالِ هذا الإنسانِ الَّذي أَعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، بَعْدَ أَنْعَرَفَهُ.
وهذا تَوْجِيهٌ مِنَ الله إلى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ إلى قَبِيحِ فِعْلِهِ؛ فَقَدْأَعْرَضَ عَنِ الهُدَى وَعَنِ الإِيمَانِ باللهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَمْ يَقْبَلِ الإسلامَ؛ وتَوَلَّى.
والمراد به الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ؛ أَعْرَضَ عن الإسلام بَعْدَ أن قَارَبَ، وأعطى قليلًا من المال للَّذي ضَمِنَ له أن يتحمَّل عنه ذنوبَه. والعذاب ثم بخل
وَأَكْدَى: أي بَخِلَ عَلَيْهِ بالباقي.
قال مجاهدٌ وابن زيدٍ: «نَزَلَتْ في الوليدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكان قد اتَّبع رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على دِينِهِ، فعيَّره بعضُ المشركين، وقال: «لِمَ تَرَكْتَ دِينَ الأشياخ وضلَّلتَهم وَزَعَمْتَ أنَّهم في النَّار؟
قال: «إنِّي خَشِيتُ عَذَابَ اللهِ» . فَضَمِنَ له أَحَدُهُمْإِنْهُوَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَرَجَعَ إلى شِرْكِهِ أن يتحمَّل عنه عذابَ الله سبحانه وتعالى.
فَأَعْطَى الوَلِيدُ الَّذي عَاتَبَهُ بَعْضَ ما كان مُقَابِلَ أن يَتَحَمَّلَ عنه عَذَابَ الله، ثمَّ بَخِلَ، وَمَنَعَهُ، فَأَنْزَلَ الله -تعالى - هذه الآيَةَ.
أي: عَمِلَ عَمَلًا قَلِيلًا، ثمَّ امْتَنَعَ، وَقَطَعَ العَمَلَ، وَتَرَكَهُ؛ فهو اعترف في الأوَّل بأحقِّيَّة القرآن، وأنَّه كلامُ الله، ثمَّ انْتَكَسَ.
قوله: {وَأَكْدَى} .
«وَأَكْدَى» مَأْخُوذَةٌ من الكِدْيَةِ؛ وهي الصَّخْرَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتي تَعْتَرِضُ حَافِرَ البِئْرِ؛ فلا يستطيع المُضِيَّ، ولا تتفتَّت إلاَّ بالمَعَاوِلِ.
فهذا الرَّجلُ ليس مطيعًا لله، وليس نافعًا لعباد الله؛ فهو مُتَوَلٍّ عن طاعة الله، وهو مَانِعٌ فَضْلَ الله عزَّ وجلَّ.
-فيها فائدة:
وهي النَّهْيُ عن قَطْعِ العمل الصَّالح، وأنَّ الإنسانَ يُوَاصِلُ العَمَلَ الصَّالِحَ، ولا يَقْطَعُهُ، وَيُدَاوِمُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ العَمَلُ فَرْضًا فَقَطْعُهُ مُحَرَّمٌ، وإن كان مستحبًّا فَقَطْعُهُ مَكْرُوهٌ.
فَعَنْ عَائِشَةَ-رضياللهعنها -قالت: «كانرَسُولُالله- صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا عَمِلَ عملًا أَثْبَتَهُ» . رواه مسلم. و في الحديث «يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» . متَّفقٌ عليه.
مَثَلُ مَنْ قَطَعَ العَمَلَ الصَّالِحَ مَثَلُ رَجُلٍ مَاشٍ في الطَّريق، فَوَجَدَ قِطْعَةً من الذَّهب، هل يَطْرَحُهُ بعد ذلك وهو يعلم مالَهُ مِنْ قِيمَةٍ وَثَمَنٍ؟ الجواب: لا.
وفي المقابل إذا رأى شيئًا يظنُّه ذهبًا، فأخذه، وإذا هو لا شَيْءَ، طَرَحَهُ.
فما يَقُومُ به العَبْدُ من طاعاتٍ هي أفضل وَأَنْفَعُ من الذَّهب الخالص لِقَلْبِكَ وَنَفْسِكَ.
وفي الحديث: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى القَذَاةِ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ أَوْ آَيَةٍ مِنَ القُرْآَنِ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» . رواه الترمذي و أبو داوود (ضعيف)