فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 581

فالمكفِّراتُ كلُّهَا مَشْرُوطَةٌ؛ فالوضوءُ مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ؛ فَلَيْسَ كلُّ مكفِّرٍ يكفِّر، والصَّلاةُ إذا أَتَمَّ وُضُوءَهَا ورُكُوعَهَا وسُجُودَهَا وخشوعها، كانت مكفِّرةً.

فهذه الأدلَّةُ تُبَيِّنُ سَعَةَأَبْوَابِ المغفرة، ونحمد الله الَّذي مَنَّ عَلَيْنَا بالهداية، وَمَنَّ علينا بِسَعَةِ المغفرة، وَكَثْرَةِأسبابها.

قوله: {هو أعلم بكم} .

اللهُ هو الَّذي يزكِّي عِبَادَهُ؛ فالعبادُ صِفَتُهُمُ المَعْصِيَةُ والغَفْلَةُ والظُّلْمُ والجهلُ، فلا ينبغي لهم أن يزكُّوا أَنْفُسَهُمْ.

ففيها رَدٌّ على من يُزَكِّي نَفْسَهُ؛ فهو أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ خَلْقِهِ قبل خَلْقِهِمْ؛ فَعَلِمَ الطَّائِعَ والعاصي، فلا يحتاج أَحَدٌ إلى أن يُزَكِّيَ نَفْسَهُ.

وحتَّى تَزْكِيَةُ الغَيْرِ: «نَحْسَبُهُ كذلك ولا نزكِّي على الله أَحَدًا» ؛ لأنَّ هذا الإنسانَ الَّذي تُزَكِّيهِ لا تَدْرِي هل هو مزكًّى عند الله أم لا، من الممكن أنَّ عِنْدَهُ ذُنُوبًا، أو أن يكون مُرَائِيًا، أو معجبًا بِنَفْسِهِ.

{هُوَأَعْلَمُ بِكُم} أي: أَعْلَمُ بِأَحْوَالِكُمْ كلِّها؛ فهو أَعْلَمُ بِالعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، وبأحواله، وكيف نشأ في الرَّحِمِ، وكيف خَلَقَأَبَاهُآَدَمَ من ترابٍ.

{بكم} حِينَمَا خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ؛ لأنَّ آَدَمَ خُلِقَ مِنَ التُّرَابِ، ثمَّ صَارَ طِينًا، ثمَّ صَارَ صَلْصَالًا، ثُمَّ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ جِسْمًا، وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، حتَّى صَارَ بَشَرًا سَوِيًّا، وهذه هي النَّشْأَةُ الأولى.

فاللهُأَعْلَمُ بالمُطِيعِ والعَاصِي، والمُؤْمِنِ والكَافِرِ قَبْلَ خَلْقِهِمْ؛ فاللهُأَعْلَمُ بِأَحْوَالِهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ، فَقَبَضَ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: «هَؤُلَاءِ لِلجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ يَعْمَلُونَ» ، وَقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى فَقَالَ: «هَؤُلَاءِ للنَّار، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ، فقالرجل: يارسولاللهِ، ففيمالعمل؟ فقالرسولاللهِ - صلى الله عليه وسلم - إناللهعزوجلإذاخلقالعبدللجنةاستعملهبعملأهلالجنةحتايموتعلاعملمنأعمالأهلفيدخلهبهالجنة، وإذاخلقالعبدللناراستعملهبعملأهلالنارحتايموتعلاعملمنأعمالأهلالنارفيدخلهبهالنار» أبو داوود و الترمذي. وَلَيْسَ في ذلك ظُلْمٌ؛ لأنَّ عِلْمَ اللهِ سَابِقٌ فِينَا.

وهذا فيه تَحْذِيرٌ لكلِّ إِنْسَانٍألاَّ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ؛ {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ}

{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} .

فاللهُ هو الَّذي زكَّاه، وهو الَّذي هَدَاهُ، فيحذرَ الإنسانُ مِنَ الإعجابِ بِنَفْسِهِ وَبِعَمَلِهِ.

اللَّهمّأَشْهِدْنَا مِنَّتَكَ في كلِّ ما نقوله، وَنَفْعَلُهُ.

قوله: {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} . هذه هي النَّشْأَةُ الثَّانِيَةُ.

ومعنى {أَجِّنَّة} جَمْعُ جَنِينٍن وهو الحَمْلُ، وسمِّي الحَمْلُ جَنِينًا؛ لأنَّه مُسْتَتِرٌ؛ {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} ؛ أَيْ: مُسْتَتِرِينَ. {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} .

وَيَعْلَمُ مَا يَكُونُ لِهَذَا الجَنِينِ مِنَ السَّعَادَةِ والشَّقَاءِ، وَكَتَبأَجَلَهُ وَمُصَابَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ قَبْلَ وِلادَتِهِ.

قوله: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} .

أي: تَمْدَحُوهَا بالصَّلاحِ، وَتَشْكُرُوهَا، وَتَمُنُّوا بأعمالكم، وتذكرونها للنَّاس على وَجْهِ التَّمَدُّحِ.

فهناك تَزْكِيَةٌ يُحْمَدُ عليها الإنسانُ، وَهِيَ تَزْكِيَةُ نَفْسِهِ بالتَّوْحِيدِ والعمل الصَّالح، وهناك تَزْكِيَةٌ مَذْمُومَةٌ، وَهِيَ أَنْيَدُلَّ بالعَمَلِ وَيَمْدَحَ نَفْسَهُ وَيُعْجَبَ بها.

فَفِي الحَدِيثِ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَخُشيت عَلَيْكُمْ مَا هُوَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ العُجْبُ» . المنذري و البزار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت