فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 581

لمَّا ذَكَرَ الَّذينَ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَبَيَّنَ بطلانَها وأنَّها لا تستحقُّ العبادةَ وأنَّهم عبدوها بناءً على الظُّنونِ والأَهْوَاءِ، ذَكَرَ بَعْدَهَا الَّذينَ يعبدون الملائكةَ؛ يَقُولُ اللهُ: {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} . وَزَعَمُوا أنَّها تنفع وتشفع.

والَّذين يعبدون الملائكةَ هُمْ في الحقيقة يعبدون الشَّياطين؛ لأنَّ الشَّيَاطِينَ تُلَبِّسُ على بعض الإنس، وَيَزْعُمُونَ لهم أنَّهم مَلائِكَةٌ.

لأنَّ الَّذي لا يصلِّي جُمُعَةً ولا جَمَاعةً ولا يتَّبع سُنَّةَ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن تَنْزِلَ عليه ملائكةٌ، وإنَّما هو شَيْطَانٌ.

هؤلاءِ يَدْعُونَ للشِّرك، والملائكةُ لاتَدْعُو للشِّرك، بل هم كما قال اللهُ: {بَلْ عِبَاٌد مُكْرَمُون} .

الملائكةُ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ؛ لا يأكلون ولا يشربون ولا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ.

هم يُؤْمَرُونَ، ولا يُنْهَوْنَ؛ فليس عندهم نَهْيٌ. ولذلك الملائكةُ لا تَأْمُرْ بِشِرْكٍ. فَدَلَّ على أنَّالشَّياطينَ مُمْكِنٌأَنْ تَزْعُمَ أنَّهم ملائكةٌ.

قوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} .

حينما عَبَدُوا الآَلِهَةَ والأَصْنَامَ وقالوا: إنَّها تَنْفَعُ وَتَشْفَعُ، ذَكَرَ - سُبْحَانَهُ - أنَّ المَلائِكَةَ أَعْظَمُ مِنَ الأَصْنَامِ.

فَهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ؛ أَكْرَمُ الخَلْقِ عِنْدَ الله، وأَقْوَى الخَلْقِ، وَمَعَ ذَلِكَ كلِّه هم لا يَنْفَعُونَ، ولا يشفعون إلاَّ بإذن الله. فكيف بِمَنْ دُونَهُمْ؟

فالملائكةُ مَعَ عِظَمِ مَكَانَتِهِمْ عِنْدَ الله لا يَشْفَعُونَ لأَحَدٍ إلاَّ بإذن الله؛ لِعَظَمَةِ اللهِ، فَأَبْطَلَ - سُبْحَانَهُ - عِبَادَةَ المَعْبُودَاتِ، وَأَبْطَلَ رَدَّ النُّبُوَّاتِ.

فالشَّفَاعَةُ مِلْكٌ للهِ، ولا يشفع أحدٌ إلاَّ بإذنه، ولا يشفعون إلاَّ لِمُوَحِّدٍ، أمَّا المُشْرِكُ فلا تَنْفَعُهُ شَفَاعَةٌ، وشفاعةُ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - لِعَمِّهِ شَفَاعَةٌ خَاصَّةٌ، ولا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، إنَّما شَفَعَ فيه للتَّخفيف عنه.

فالشَّفاعةُ لا تَحْصُلُ إلاَّ بِشَرْطَيْنِ:

-الأوَّلُ: أن يَأْذَنَ اللهُ بالشَّفاعة.

-والثَّاني: أَنْيَرْضَى اللهُ عن المشفوع له. ولا يرضى اللهُ عن المشرك؛ فلا تنفع المشرك الشَّفاعةُ، ولا تُقْبَلُ فيه الشَّفاعةُ.

قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى} .

هناك طُغْيَانٌ آَخَرُ للكفَّار، وَنَوْعٌ آَخَرُ مِنْ كُفْرِهِمْ، وهو عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بالبَعْثِ والجَزَاءِ والحساب، فَجَعَلَهُمْ يَتَجَرَّءُونَ على هذا القَوْلِ.

فَبِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ تَجَرَّءُوا على الله؛ لأنَّه إذا ذَهَبَ الإيمانُ وَالخَوْفُ مِنَ الله، يَجْعَلُ الإنسانَ يتجرَّأ على الكفر والمعاصي، وَيَكْذِبُ على الله.

قوله: {لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى} .

فجعلوا المَلائِكَةَإِنَاثًا، وهم لَيْسُوا إناثًا كما يقول الكفَّارُ، بل هم عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، خَلَقَهُمُ اللهُ مِنْ نُورٍ، ويعبدون اللهَ ولا يَفْتَرُونَ.

الكفَّارُ ادَّعَوْا في الملائكة ثَلَاثَةَأَشْيَاءَ؛ أنَّهم إِنَاثٌ، وأنَّهم بَنَاتُ الله، وأنَّهم عَبَدُوهُمْ لِيُقَرِّبُوهُم إلى الله زُلْفَى.

قوله: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} .

أي: لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ صَحِيحٌ يصدِّق ما قالوه، بل هو كَذِبٌ وَزُورٌ وافتراءٌ، وَكُفْرٌ شَنِيعٌ.

قوله: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} .

أي: إنَّما يَبْنُونَ قَوْلَهُمْ على الكَذِبِ والظُّنون البَاطِلَةِ؛ لأنَّهم يَبْحَثُونَ عن الظَّنِّ. وهذا جَارٍ على معتقداتهم، واعتمادُ الكفَّار على الظُّنون وليس عندهم عِلْمٌ يُعْتَمَدُ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت