أي: وما تُحِبُّهُ أَنْفُسُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالبِدَعِ المُوَافِقَةِ لأهوائهم، وينالون بها حُظُوظًا دُنْيَوِيَّةً من الرِّئاسةِ وَجَمْعِ الأَمْوَالِ؛ فهم اتَّخذوها ليصطادوا بها المغفَّلين.
وهذا هو الواقعُ اليَوْمَ عند الأضرحة؛ حتَّى ولو خرج إليهم صاحبُ القَبْرِ، وَأَنْكَرَ عليهم، لَقَتَلَهُ السَّدَنَةُ؛ لأنَّهم يستغلونها.
فبنوا عقائدَهم على الأوهام والخيالات والظُّنون الفاسدة والجهل الكاسد.
ففي «البخاريِّ» عن أبي رجاء العطارديِّ يقول: «كنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فإذا وَجَدْنَا حجرًا هو أَخْيَرَ منه، أَلْقَيْنَاهُ، وأخذنا الآخرَ، فإذا لم نجد حجرًا، جمعنا جثْوَةً من ترابٍ، ثمَّ جئنا بالشَّاةِ، فحلبناه عليه، ثمَّ طُفْنَا بِهِ»
قوله: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} .
أي: لقد جَاءَهُمْ مِنَ اللهِ الحَقُّ الوَاضِحُ، وبُيِّنَ لهم بُطْلانُ ما هم عليه، وَلَكِنْ لمَّا زاغت قلوبُهم، واسْتَهْوَتْهُمُ الشَّياطينُ، وأخذوا بالعادات والتَّقاليد، وَتَرَكُوا الحقَّ والرَّسولُ يدعوهم ويقول لهم: هذا شِرْكٌ. لم يَفْعَلُوا، ولم يَقْبَلُوا هدى الله ممَّن مَنَّ اللهُ عليه بالهداية.
مع هذا كلِّه لم يَقْبَلُوا الحقَّ، ولم يفكِّروا، ولم يتَّعظوا؛ لأنَّه إذا عَمِيَ القَلْبُ وَفَسَدَ العَقْلُ، ضلَّ صاحبُه، وربَّما انقلبت عنده الموازينُ؛ فيرى الحقَّ باطلًا، والباطلَ حقًّا.
قوله: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} : هذا إِنْكَارٌ. ليس للإنسانِ ما يتمنَّاه، بل للإنسان ما كَسَبَهُ وَعَمِلَهُ؛ يعني: ما يتمنَّاه في أمر الهداية والضَّلالة.
فالإنسانُ يتمنَّى دائمًا أن يكون مهتديًا؛ كانوا يعبدون الأصنامَ على أساس أنَّها تنفع وتشفع. هذه هي أمنيتُهم، فهل تتحقَّق أمنيتُهم؟
وحقيقة الاهتداء أن تكون متَّبعًا للوحي، وإذا كانت الملائكةُ وهم عبادٌ مُكْرَمُونَ لا يشفعون إلاَّ إذاأَذِنَ اللهُ لهم، فكيف بالأصنام والملائكة لا يمكن لهم ذلك؟
وأيضًا الإنسانُ حينما تكون له أُمْنِيَاتٌ وحاجاتٌ، يطلبها ممَّن؟ أليس يطلبها ممَّن يَمْلِكُ الدُّنيا والآخرة؟ أم يطلبها مِنَ اللاَّت والعزَّى الَّتي لا تَمْلِكُ شَيْئًا، ولا تُعْطِي شَيْئًا؟!
وهذه الأصنامُ لا تعطي شيئًا، ولا تملك شيئًا، والخير كلُّه بيد الله وَحْدَهُ.
وفي الحديث: «إِذَا تَمَنَّى أحَدُكُمْ، فَلْيَنْظُرْ مَا يَتَمَنَّى؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيَّتِهِ» . تفرَّد به أحمد.
ولكن لمَّا فسدت العقيدةُ اليَوْمَ، أَصْبَحَ البَعْضُ يَلْتَمِسُ النَّفْعَ والضُّرَّ مِنْ غَيْرِ الله.
هناك من يَنْظُرُ إلى الكعبة، فيبكي؛ لأنَّ قَلْبَهُ مُعَلَّقٌ بغير الله، ولا يتعلَّق قلبُه بالله، مع أنَّالكَعْبَةَ لو هُدِمَتْ حجرًا حجرًا، واستبدلت حجارتُها بحجارةٍ أخرى، لأصبحت الحجارةُ الَّتي أُزِيلَتْ لا قِيمَةَ لها؛ لأنَّ التَّعْظِيمَ لأمرِ الله، ولله، وليس للأحجار.
قوله: {فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى} ؛ أَيْ: لَيْسَ لأحدٍ نَصِيبٌ في مُلْكِ الله، وهو الَّذي يتصرَّف كيف يشاء. فإذًا الأمانيُّ لا وَجْهَ لها.
فمصيرُ الأَمْرِ فيها إلى الله؛ فاللهُ مَالِكُ الدُّنْيَا والآَخِرَةِ؛ فلا أَحَدَ يتصرَّف في مُلْكِهِ إلاَّ بِإِذْنِهِ، فلا تَعْبُدْأحدًا غير الله؛ هو وَحْدَهُ مَنْ يُحَرِّكُ القلوبَ.
وإذا تقرَّر هذا كلُّه بأنَّ اللهَ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ والمتصرِّفُ فيه، فَمَنْ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُ الله وَحْدَهُ؟
الكفَّارُ حينما يَرَوْنَآَلِهَتَهُمْ مَعَهُمْ في النَّار وعرفوا الحقَّ بعد فوات الأَوَانِ وَذَهَبَتْ عنهم وساوسُ الشَّيطان وعرفوا الحقَّ، قالوا لأصنامهم: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (97 (إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .
الصَّحَابَةُ كانوا يضحكون على أنفسهم بعدما مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بالهداية؛ لأنَّهم كانوا يعبدون الأصنام، لكن الفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ النَّار أنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ.
قوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} .