-تَأْنِيثِأَسْمَاءِ الله، فاشتقُّوا أسماءَ تِلْكَ الآلهة من أَسْمَاءِ الله؛ فاللاَّتُ تَأْنِيثُ اللهِ، وَالعُزَّى من العَزِيزِ، وَمَنَاةُ من المَنَّانِ، ممَّا فيه تَأْنِيثُأسماء الله.
-والجِهَةُ الثَّانِيَةُ أنَّهم جَعَلُوا الملائكةَ الَّذين هم عِبَادُ الرَّحمن بَنَاتَ اللهِ، فخاطب اللهُ الكفَّارَ كيف جَعَلُوا له البَنَاتَ، وَلَهُمُ الذُّكورُ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه ليس لله في قلوبهم عَظَمَةٌ.
وهذا نَوْعٌ آَخَرُ مِنْ كُفْرِ العَرَبِ؛ وهو أنَّهم يجعلون البَنَاتَ لله، وطالبهم بالسَّبب الَّذي جَعَلَهُمْ يَقُولُونَ: الملائكةُ بَنَاتُ الله.
فَنَسَبُوا الوَلَدَ إلى اللهِ، وَجَعَلُوا للهِ مَا يَكْرَهُونَ مِنَ البنات، وينسبون لأنفسهم الذُّكور.
فكيف ينزِّهون أنفسَهم عن البنات، وينسبونهم لله، فيقولون: الملائكةُ بَنَاتُ الله. ويقولون: إنَّاللهَ صَاهَرَ الجِنَّ كما في سورة الصَّافَّات، وكلُّها افتراءاتٌ على الله.
قوله: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} .
يعني: هَذِهِ قِسْمَةٌ ظَالِمَةٌ، وَغَيْرُ عَادِلَةٍ. وهذا يدلُّ على أنَّه ليس لله في قلوبهم عَظَمَةٌ؛ لأنَّهم لا يَقْبَلُونَهَا فيما بَيْنَهُمْ لو تقاسموا.
أَنْكَرَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ القِسْمَةَ؛ أَتَجْعَلُونَ له وَلَدًا، وَتَجْعَلُونَ وَلَدَهُ أُنْثَى، وَتَخْتَارُونَ لأَنْفُسِكُمُ الذُّكُورَ؟
وَهَذَا مِنْ جِهَةِ العَقْلِ؛ كيف يُنْسَبُ إلى الله الأُنْثَى ولهم الذَّكَرُ، فينسبون لله ما ينزِّهون أنفسَهم عنه؟
وهذا الخطابُ مَعَهُمْ لِفَضْحِهِمْ؛ أنَّهم لا يُعَظِّمُونَ الله، وإلاَّ فاللهُ ليس له وَلَدٌ؛ لا ذَكَرٌ، ولا أنثى.
وهنا أَحْوَالٌ يَقَعُ فِيهَا بَعْضُ المسلمين قَرِيبَةٌ مِنْ هذا؛ فَمَثلًا الأُضْحِيَةُ أَمَرَ اللهُ بها، فَتَجِدُ البَعْضَ يَذْبَحُ الهَزِيلَةَ، وهناك في الحجِّ مَنْ يَذْبَحُ المَرِيضَةَ، أو يَشْتَرِي المَيْتَةَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَيَنْوِي بها الأُضْحِيَةَ أَوِ الهَدْيَ، هل هذا اتَّقَى اللهَ وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِأَجْوَدِ ما عِنْدَهُ؟
السَّبَبُأنَّهُ ليس لله في قلوبهم عَظَمَةٌ.
قوله: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} .
كلُّ ما في الأمر أَسْمَاءٌ مِنْ تِلْقَاءِأَنْفُسِكُمْ.
قَاعِدَةٌ في التَّفْسِيرِ: إذا ذُكِرَ في القرآن الشُّرَكَاءُ وَفِيهِ ذِكْرٌ للآلهة، فالتَّسمية مبنيَّةٌ على الظَّنِّ.
قوله: {أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} .
كلُّ ما يُعْتَقَدُ أو يُعْمَلُ به لابدَّ فيه من حُجَّةٍ، وهذه الآلِهَةُ جِيءَ بِهَا مِنْ جِهَةِ الأَقْيِسَةِ والاستحسان؛ فصار معنى {ما أنزل الله بها من سلطان} ؛ أي: مِنْ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ؛ لأنَّ العَقِيدَةَ والتَّوْحِيدَ وَأُمُورَ الغَيْبِ والعبادات لا تُبْنَى إلاَّ على الحُجَّةِ والبرهان المنزَّلِ مِنْ عند الله، ولا تُبْنَى على الظُّنونِ والأَكَاذِيبِ والتَّقْلِيدِ الأَعْمَى.
وَالعِبَادَاتُ والشَّرائعُ مَبْنِيَّةٌ على العِلْمِ اليَقِينِيِّ، والعِلْمِ النَّظَرِيِّ، ومنه ما هو مُتَوَاتِرٌ، ومنه ما هو آَحَادٌ، وَكِلاهُمَا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ.
فهؤلاء عَبَدُوا هذه الأصنامَ بِدُونِ حُجَّةٍ، وَنَسَبُوا لله الوَلَدَ بِدُونِ بُرْهَانٍ.
فهؤلاء كلُّ ما عِنْدَهُمْ ظُنُونٌ وَكَذِبٌ وَتَقْلِيدٌ للآباءِ؛ لأنَّهم أحسنوا الظَّنَّ بهم.
قوله: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} .
الظَّنُّ في الأَصْلِ بمعنى الشَّكِّ، والمرادُ الشُّبْهَةُ.
ليس لهم مُسْتَنَدٌ ولا حُجَّةٌ غَيْرُ الظَّنِّ، والظُّنونُ لا تُجْدِي في العقائد؛ لأنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، ولا بدَّ مِنْ بُرْهَانٍ وَحُجَّةٍ.
قوله: {وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} .