فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 581

المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَانْفُثْ عَنْ شِمَالِكَ ثَلَاثًا، وَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ».

قوله: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} .

وَمَنَاةُ: أَقْدَمُ الأصنام كلِّها، وكانت العَرَبُ تُسمِّي بَعْضَ أبنائها: «عَبْدَ مَنَاةٍ» ، وكان منصوبًا على سَاحِلِ البَحْرِ الأَحْمَرِ بِقَدِيدَ بين المدينة وَمَكَّةَ.

وَجَمِيعُ العَرَبِ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ، وَتَذْبَحُ حَوْلَهُ، وكانت الأَوْسُ والخَزْرَجُ ومن ينزل المدينةَ وَمَكَّةَ وما قارب من تلك المَوَاضِعِ يعظِّمونه، ويذبحون له، وَيُهْدُونَ له، ولم يَكُنْ أَحَدٌ أَشَدَّ إعظامًا له من الأَوْسِ والخَزْرَجِ.

قوله: {الأخرى} أَيِ المتأخِّرةَ في ترتيب الأصنام عندهم؛ لأنَّهم كانوا يَجْعَلُونَ اللاَّتَ أَعْظَمَ تلك الآلِهَةِ، والعُزَّى بَعْدَهَا، ثُمَّ مَنَاةَ، ثُمَّ تَأْتِي سَائِرُآَلِهَةِ العَرَبِ الَّتي يجعلون عليها بيوتًا، ويُحَجُّ إليها وَتُقْصَدُ.

هذه ثلاثةُ أَصْنَامٍ مشهورةٍ عند العرب يعبدونها مِنْ دُونِ الله، ويخضعون لها كما يخضعون لله، ويتقرَّبون إليها كما يتقرَّبون لله.

فكانوا يَعْبُدُونَ الأصنامَ، وَيَلْتَمِسُونَ عندها النَّفْعَ والشَّفَاعَةَ.

وإذا تبيَّن هذا كلُّه لماذا أَخْبَرَنَا اللهُ بهذه الآلهة؟ لأنَّ المؤمنَ حينما يقرأها، يَحْمَدُ الله ويتذكَّر نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام، وكيف ضلَّ هؤلاء وَضَعُفَتْ عُقُولُهُمْ وَوَصَلَ بهم الحَالُ إلى عبادة أَشْجَارٍ وَأَحْجَارٍ لا تنفع ولا تَضُرُّ.

وَيَرَى كيف اسْتَهْوَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ حتَّى أصبحوا لا يفكِّرون في ضلالِهم حينما عَبَدُوهَا، بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ، واتِّبَاعِأهوائهم، وتقليدِهم الأعمى لآبائهم.

ذَكَرَ اللهُ لنا هذه الأصنامَ؛ حتَّى يَعْرِفَ الوَاحِدُ مِنَّا نِعْمَةَ اللهِ عليه، ويتعجَّب من هؤلاء كيف عبدوا هذه الأصنام وتركوا عبادةَ الله، وَيَفْهَمَ الإنسانُأنَّه إذا لم يستخدم عَقْلَهُ كيف يَضِلُّ.

قَبْلَ خمسين سَنَةً والقرآنُ مَوْجُودٌ كان النَّاسُ يتصرَّفون تصرُّفاتٍ قَرِيبَةً من أحوال الجاهليَّة. كان الواحدُ يَرْمِي بِسِنِّهِ حِينَمَا يَقْلَعُهُ وَيَرْمِيهِ تِجَاهَ الشَّمْسِ وَيَقُولُ: يا شَمْسُ رَمَيْتُ لَكِ بِسِنِّ حِمَارٍ، وأبدليه لي بسنِّ غَزَالٍ.

كانوا يقولون: افْتَحِ البابَ نشوف ربِّي وأبناءَه. حتَّى يعلم الواحدُ منَّا نعمةَ الهداية، وكيف تكون أحوالُ النَّاس إذا ابتعدوا عن الوَحْي، كيف تستهويهم الشَّياطين؛ لأنَّ الشَّيْطَانَ يزيِّن الباطلَ.

حتَّى يَعْلَمَ النَّاسُ نِعْمَةَ العقل، وَنِعْمَةَ الهداية؛ لأنَّ الله إذا مَنَّ عَلَيْنَا بالفهم، نَجَوْنَا من الشَّيطان.

وَيُؤْخَذُ من هذه الآيات أنَّهم اشْتَقُّوا من أسماء الله أَسْمَاءً لآلهتِهم.

والسَّبَبُأنَّها إذا تراكمت الذُّنوبُ على القلوبِ، خَرَجَتْ عَظَمَةُ الله مِنْ قُلُوبِهِمْ.

ويؤخذ من هذه الآيات أنَّاللهَ ذَكَرَ لنا ترَّهاتِهم، وما هم عليه من الضَّلال؛ ليعلم النَّاسُ خُطُورَةَ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى حينما جَعَلُوا العادات حَقًّا، والكتابَ والسُّنَّةَ بَاطِلًا.

قَبْلَ ثَلَاثِينَ سَنَةً هناك من يُنْكِرُ الحِجَابَ. ويقول الوَاحِدُ: أَنْتَ مَجْنُونٌ؟! كيف تتحجَّب المرأةُ؟ هل تَشُكُّ في أخيك؟ يتركون الوَحْيَ، ويتمسَّكون بالعادات والتَّقاليد.

تحدَّاهمُ الله أن يبيِّنوا السَّبَبَ الَّذي حَمَلَهُمْ على عِبَادَتِهَا، فَأَنْكَرَ عليهم عِبَادَتَهَا، واتِّخَاذَهُمْ لها البُيُوتَ؛ مُضَاهَاةً للكعبة الَّتي بناها خَلِيلُ الرَّحْمَنِ.

وَأَبْطَلَهَا، وتحدَّاهم، وطالبهم بالسَّبب الَّذي حَمَلَهُمْ على عبادتها، هل هي تسمع أو تُبْصِرُ أو تضرُّ أو تنفع؟ لا يستطيعون أن يُجِيبُوا؛ إنَّها لا تفعل شيئًا سِوَى التَّقليد لآبائهم.

قوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} .

هذا تَوْبِيخٌ وَإِنْكَارٌ عليهم في هذه التَّسْمِيَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت