فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 581

فَبَعْدَ أن بَيَّنَ اللهُ ما كان عليه النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - من حَقٍّ وَاضِحٍ، ومن تَكْرِيمٍ عَظِيمٍ، وَمِنْ طَاعَةٍ تَامَّةٍ لخالقه - عزَّ وجلَّ - رَدَّ على المُشْرِكِينَ، وَبَيَّنَ لهم ما هم عليه مِنْ بَاطِلٍ وَجَهْلٍ، وتبكيتَهم على عبادتهم لأصنامٍ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ.

قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} .

هذا اسْتِفْهَامٌإنكاريٌّ وَتَحَدٍّ وَتَحْقِيرٌ وَحَطٌّ لأصنامهم؛ أي: أَخْبِرُونِي أيُّها المشركون عن شأن هذه الأصنام، هل تنفع أو تضرُّ؟ هل تَقْدِرُ على شَيْءٍ؟

والهمزة إذا جاء بعدها فاءٌ أو واوٌ في القرآن فمعناه أنَّ هناك كَلامًا محذوفًا؛ أفرأيتم؟ أتنكرون وَحْيَ محمَّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام - وعبادته ربَّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له؟

فَأَرْسَلَ اللهُ نبيَّنا محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - لإنكار عِبَادَةِ الأصنام الَّتي كانت عند العرب، وكانت كَثِيرَةً؛ لأنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، لا لِيَعْبُدُوا غَيْرَهُ.

وخاطب اللهُ الكفَّارَ في عبادة هذه الأصنام. وَذَكَرَ اللهُ هذه الأصنام الثَّلاثة؛ لأنَّها أَكْبَرُ الأصنام عند العرب.

فاللاَّتُ صَنَمٌ كانت تَعْبُدُهُ ثَقِيفٌ، وقرئ اللاَّتُ بالتَّخفيف على أنَّهَا صَخْرَةٌ، وهي صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ في الطَّائف مَنْقُوشَةٌ بَنُوا عليها بِنَايةً، وجعلوا لها سَدَنَةً، فصارت صَنَمًا لِثَقِيفٍ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الطَّائف.

وَقُرِئَ بتشديد التَّاء على أنَّها اسْمٌ لِرَجُلٍ صَالِحٍ كان يُطْعِمُ الحُجَّاجَ، وَيَلُتُّ لهم السَّوِيقَ، فكان يَتَعَبَّدُ وَيُحْسِنُ إلى النَّاس، فلمَّا مات، غَلُوا فيه، وَعَبَدُوه من دُونِ الله.

وكانت اللاَّتُ لِثَقِيفٍ بالطَّائف، وكان سَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا بَنِي مُعَتَّبٍ.

قلت: وقد بَعَثَ إليها رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وأبا سفيان صَخْرَ بْنِ حَرْبٍ، فَهَدَمَاهَا، وَجَعَلَا مكانها مَسْجِدَ الطَّائف.

قوله: {العُزَّى} .

والعزَّى صَنَمٌ كَبِيرٌ لأَهْلِ مَكَّةَ، وهي بَيْنَ مَكَّةَ والطَّائف، وهو عِبَارَةٌ عن مجموعةأَشْجَارٍ عليها بِنَايَةٌ وَسُورٌ وَسَدَنَةٌ، فَصَارَتْ صَنَمًا لِقُرَيْشٍ وَخُزَاعَةَ.

وَكَانَتْ قُرَيْشُ يعظِّمونها، كما قال أبو سفيانَ يَوْمَ أُحُدٍ: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا، وَلا مَوْلَى لَكُمْ» . رواه البخاري

فكانت لِقُرَيْشٍ وَبَنِي كِنَانَةَ العُزَّى بِنَخْلَةَ، وكانت سَدَنَتُهَا وحجَّابُها بني شيبان من سليمٍ حلفاءَ بني هاشم.

ولمَّا فتح رَسَولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مكَّة، بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى نَخْلَةَ، وكانت بها العُزَّى، فأتاها خَالِدٌ، وكانت على ثَلاثِ سمراتٍ (شَجَرَاتٍ) ، فقطع السَّمرات، وهدم البيت الَّذي كان عليها.

ثمَّ أتى النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخبره، فقال: «ارْجِعْ، فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا» . فَرَجَعَ خَالِدٌ.

فلمَّا أبصرت به السَّدَنَةُ -وهم حَجَبَتُهَا- أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عُزَّى، فأتاها خالدٌ فإذا هي امرأةٌ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شعرَها، تَحْثُو (تُلْقِي) التُّرَابَ على رأسها، فعمَّمها بالسَّيف حتَّى قَتَلَهَا، وَجَعَلَ يَقُولُ:

يا عُزَّى كُفْرَانَك لا سُبْحَانَك *** إنِّي رَأَيْتُ اللهَ قَدْ أهَانَكِ.

ثمَّ رَجَعَ إلى النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخبره، فقال: «تِلْكَ العُزَّى» . رواه النَّسائيُّ والبيهقيُّ.

روى البخاريُّ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللاَّتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ» .

وكان الصَّحَابَةُ يَحْصُلُ منهم سَبْقُ لِسَانٍ في ذلك، كما كانت ألسنتُهم قد اعتادته في زمن الجاهليَّة.

فعند النَّسائيِّ عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قال: حَلَفْتُ باللاَّتِ والعُزَّى، فقال لي أصحابي: بِئْسَ مَا قُلْتَ! قُلْتَ هَجْرًا! فأتيتُالرَّسولَ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ له، فقال: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت