فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 581

فإنَّ عَادَةَ النُّفوس إذا أُقِيمَتْ في مَقَامٍ عَالٍ رفيعٍ تلتفت يمينًا وشِمالًا. وقد تتعدَّى، فتتطلَّع إلى ما هو أعلى منه وَفَوْقَهُ.

ألا ترى أنَّموسى - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا أقيم في مقام التَّكليم والمناجاة طَلَبَتْ نفسُه الرُّؤْيَةَ؟

ونبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا أُقِيمَ في ذلك المقام، وفَّاه حقَّه؛ فلم يلتفت بَصَرُهُ ولا قَلْبُهُ إلى غير ما أُقِيمَ فيه البَتَّةَ؛ فللقلب زَيْغٌ وطُغْيَانٌ، وكلاهما مُنْتَفٍ عن قَلْبِهِ وَبَصَرِهِ.

لمَّا كَمُلأدبُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع الحقِّ ومع الخَلْقِ، وَكَمُلَتْ مَرَاتِبُ العبوديَّة عنده، تجاوز السَّبْعَ الطِّباق، وَجَاوَزَ سِدْرَةَ المنتهى، وَوَصَلَ إلى مَحَلٍّ من القُرْبِ سَبَقَ به الأوَّلين والآخِرِينَ، وَأُقِيمَ مَقَامًا غَبَطَهُ بِهِ الأنبياءُ والمرسلون.

فإذا كان في المَعَادِ أُقِيمَ مقامًا من القُرْبِ ثانيًا، يَغْبِطُهُ به الأوَّلون والآخرون.

قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} .

أي: يَعْنِي أنَّه رأى من الآيات الكبرى ما رأى، ولم يَرَأَىَيَةً وَاحِدَةً، بل عِدَّةَ آَيَاتٍ.

رأى مِنْ آَيَاتِ اللهِ الكبرى في السَّماوات وَعِنْدَ سِدْرَةِ المنتهى، ورأى الملائكةَ، وكلَّمهُ ربُّه، وَفَرَضَ عليه الصَّلوات.

لِذَلِكَأُعْطِيَ الأنبياءُ آَيَاتٌ لتقويةإيمانهم ويقينهم؛ فَيُرِيَهُمُ اللهُ مِنَ الأمورِ الغَيْبِيَّةِ.

وَيَشْمَلُ ذَلِكَ الغَيْبِيَّاتِ المرئيَّة أو المعلومة كالجنَّة والنَّار والجنِّ والملائكة.

والحاصلُ أنَّالرَّسولَ- صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى في هذا المِعْرَاجِ مِنْ آَيَاتِ الله الكبيرة ما لم يَكُنْ يَرَاهُ مِنْ قَبْلُ، وما لا يستطيع الصَّبْرَ عليه أَحَدٌ من البشر.

ونحن لو رأينا سُرَادِقًا عَظِيمًا لِمَلِكٍ من الملوك، لانْبَهَرْنَا وَتَعَجَّبْنَا، وجعلنا نَلْتَفِتُ يمينًا وشمالًا، لكن الرَّسولُ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - لم يتغيَّر عَقْلُهُ ولا اتِّزانُه، بل كان على أكمل ما يكون الاتِّزانُ.

وإلاَّ فَقَدْ أُسْرِيَ به من المسجد الحرام من الحجر عند الكعبة - والحجرُ من الكعبة - أُسْرِيَ به من ذلك المكان إلى بيت المقدس مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ في لحظةٍ، وصلَّى بالأنبياء، ثمَّ عُرج به إلى السَّماء، والسَّماء بعيدة جدًّا، ثمَّ مِنْ سَمَاءٍ إلى سَمَاءٍ، وتتلقَّاه الملائكةُ تسأل جبريل: من معك؟ فيقول: محمَّد.

فيسألونه هل أرسل إلى النَّاس؟ فيقول: نعم، ثمَّ يسلِّم على بعض من في السَّماوات من أنبياءَ، ثمَّ تُفرض عليه الصَّلاة، ويتردَّد بين الله - عزَّ وجلَّ - وموسى - عليه السلام -، كلُّ هذا وهو ثَابِتُ الجَأْشِ عليه الصَّلاة والسَّلام.

وهذا شَيْءٌ حقيقيٌّ؛ هو بنفسه - عليه الصَّلاة والسَّلام- صَعِدَ. ولهذا لمَّا جاء وحدَّث النَّاسَ مِنَ الغَدِ، أَنْكَرَتْهُ قُرَيْشٌ؛ لأنَّها تُنْكِرُ ما لا يمكن في عَقْلِهَا.

وإنكارُ ما لا يمكن في العقل ليس خاصًّا بكفَّار قريشٍ؛ حتَّى فيمن ينتسب إلى هذه الأمَّة، أنكروا من صفات الله ما أثبته اللهُ لنفسه؛ لأنَّه على زَعْمِهِمْ لا يُمْكِنُ في العقل.

فَقُرَيْشُ أَنْكَرَتْ هذا المِعْرَاجَ، ولو كان منامًا لم تُنْكِرْهُ قُرَيْشُ؛ لأنَّ المَنَامَات يَكُونُ فيها مِثْلُ هذا، لكنَّه أَمْرٌ حِسِّيٌّ حَقِيقِيٌّ.

أُسْرِيَ بالرَّسول - عليه الصَّلاة والسَّلام- بِجَسَدِهِ، وَعُرِجَ بِهِ في لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَصَلَتْ كُلُّ هذه الأمور، ثمَّ عاد إلى الأرض، وصلَّى الفجرَ في مكَّة عليه الصَّلاة والسَّلام.

فنزَّه اللهُ رسولَه البشريَّ عن الغِوَايَةِ والضَّلال، وَبَيَّنَ صِدْقَ رسوله، وما تلقَّاه من الإكرام في معراجه، وَنَزَّهَ رَسُولَهُ المَلَكِيَّ عن أن يكون شيطانًا أو قبيحًا أو ضعيفًا.

ففي هذه الآيات الكريمة رَدٌّ على المشركين مزاعمَهم، وَتُثْبِتُ أنَّهذا القرآن قد بلغه الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن جبريل- عليه السَّلام- دونَ أن يزيد فيه شيئًا، أو يُنْقِصَ منه شيئًا، وأنَّه- سبحانه- قد أعطى نبيَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - من المعجزات، ومن الخيرات والبركات، ما لم يُعْطِ غَيْرَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت