فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 581

-ثانيًا: أنَّه - سبحانه - قرَّر صحَّة ما رآه، وأنَّ مماراتَهم له على ذلك بَاطِلَةٌ.

قوله: {وَلَقَدْ رَأَىَهُ نَزْلَةً أُخْرَى} .

أي: رأى نبيُّنا محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - جِبْرِيلَ - عليه السلام - مرَّةً ثَانِيَةً بعد المرَّة الأولى الَّتي ذَكَرَهَا في أوَّل السُّورة.

فالمرَّةُ الأولى في الأرض، وهو بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ، والثَّانية في السَّماء عند السِّدْرَةِ.

قوله: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} : سِدْرَةُ المُنْتَهَى فَوْقَ السَّمَاءِ، وَسُمِّيَتْ بذلك لأنَّه ينتهي إليها ما ينتهي من عند الله، فيُقْبَضُ منها، وما يصعد إليه فيُقْبَضُ منها.

والمرئيُّ عند السِّدْرَةِ هو جِبْرَائِيلُ - عليه السلام - قطعًا. وبهذا فسَّره النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال لعائشة: «ذَاكَ جِبْرِيلُ» . رواه أحمد و الطبراني و الحاكم.

حينما عُرِجَ بالنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى السَّماء وجاوز السَّبْعَ الطِّبَاقَ، وكان جبريلُ - عليه السلام - يستفتح كلَّ سماءٍ، فَيُفْتَحُ له، إلى أن انتهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وهي شَجَرَةُ نَبْقٍ عظيمةٍ في السَّمَاءِ السَّابعة، نَبْقُهَا كالقَلالِ، وأوراقُها كَآَذَانِ الفِيَلَةِ.

وهي سِدْرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يَعْلَمُ عِظَمَهَا إلاَّ اللهُ، وَسُمِّيَتْ بِسِدْرَةِ المنتهى؛ لأنَّها ينتهي إليها ما يصعد من الأرض، وينتهي إليها ما ينزل من الله الَّذي تأخذه الملائكةُ.

فنبيُّنا محمَّدٌ- صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى جبريلَ - عليه السلام - عند هذه السِّدْرَةِ على صورته الملكيَّة الهائلة.

قوله: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} .

يغشى هذه السِّدْرَةَ من الجمال والجلال ما لا يعلمه إلاَّ اللهُ، وتغشاها الملائكةُ بِأَعْدَادٍ كثيرةٍ، ولا يستطيع مَخْلُوقٌ أن يَصِفَ حُسْنَهَا وجمالَها.

لِذَا قال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -أنَّه غَشِيَهَا من الحُسْنِ والبهاء ما لا يستطيع أَحَدٌ أن يصفهاإذا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ الله، ولذلك لم يُبِنِ اللهُ الَّذي يغشاها؛ للتَّفخيم والتَّعظيم.

تعجز الخلائقُ بَعْدَ نزول أَمْرِ الله - عزَّ وجلَّ - على هذه الشَّجرة أن تَصِفَهَا مِنْ شِدَّةِ حُسْنِهَا، فما ظَنُّكَ بِجَمَالِ الخَالِقِ؟!

هكذا انتهى نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - في مِعْرَاجِهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى فَوْقَ السَّماء السَّابعة.

قوله: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} سُمِّيَتْ بِالمَأْوَى. الصَّحيح أنَّه اسمٌ من أسماء الجنَّة؛ أي: عِنْدَ السِّدْرَةِ جنَّةُ المَأْوَى.

وهذا يُعْطِينَا أَنَّالجَنَّةَ فَوْقَ السَّماء السَّابعة، وأنَّ أعلى الجِنَانِ وَأَوْسَطَهَا جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحمن.

وسُمِّيَتْ جنَّة المأوى؛ لأنَّهم يَأْوُونَ إليها، ويخلَّد فيها؛ فهي جنَّةٌ من الجِنَانِ؛ {وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى} .

قوله: {) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} الزَّيغُ يكون في القلب والبَصَرِ، وغالبًا يكون زيغُ البصر مع الخوف.

{وما طغى} أي: ما تَجَاوَزَ الحدَّ.

قال ابن عبَّاسٍ: «ما ذَهَبَ يَمِينًا ولا شِمالًا، وما جَاوَزَ مَا أُمِرَ به» .

وهذه صِفَةٌ عظيمةٌ في الثَّبات والطَّاعة؛ فإنَّه ما فَعَلَ إلاَّ ما أُمِرَ به، ولا سَأَلَ فَوْقَ ما أُعْطِي.

فتأدَّب نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - مع ربِّه، فوقف عند حدود الله، فما زاد، ولا نقص.

وهذه هي أَعْظَمُ تَزْكِيَةٍ للنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فذلك المَقَامُ العَظِيمُ فَوْقَ السَّماوات ورؤيةُ تِلْكَ الأشياء العظيمة، فلم يتجاوز الحدَّ. وهذا غَايَةُ الكَمَالِ والأدب من النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - مع الله الَّذي لا يلحقه فيه سِوَاهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت