فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 581

روى الإمامُ أَحْمَدُ عن عبد الله قال: «رأى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جِبْرِيلَ في صورته، وله سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، كلُّ جَنَاحٍ منها قد سَدَّ الأُفُقَ، يَسْقُطُ من جناحه من التَّهاويل والدُّرِّ والياقوت ما الله به عَلِيمٌ» . انفرد به أحمد.

والمرَّة الثَّانية في السَّماء حين عُرِجَ به إليها؛ فالمرَّة الثَّانية رآه حينما جاء جبريلُ لِيَسْرِي به إلى المسجد الأقصى، ثمَّ ليعرج به إلى ربِّنا جلَّ وعلا.

أمَّا بَقِيَّةُ اللِّقاءات فكان جِبْرِيلُ يأتي النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - في صورة إنسانٍ.

قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} .

فهذا دُنُوُّ جِبْرِيلَ - عليه السلام - وتدلِّيه إلى الأرض؛ حيث كان رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم.

{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}

فاقترب جبريلُ - عليه السلام - إلى محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا هَبَطَ عليه إلى الأرض، حتَّى كان بينه وبين محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - قابَ قَوْسَيْنِ؛ أي: بِقَدْرِهِمَا إذا مدَّا؛ أي: مقدارَ هذه المسافة.

ولمَّا رآه نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - خافَ. وفي روايةٍ: «فلمَّا رآه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صُعِقَ» .

والفَائِدَةُ مِنْ ذكر ذلك أنَّه لو لم يَرَهُ على صورته فمنالممكن أن يقولوا: إنَّه بَشَرٌ، ويرى نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - عَظَمَةَ اللهِ في مخلوقاته.

أمَّا الدُّنُوُّ والتَّدلِّي في حديث المعراج فَرَسُولُ اللَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَوْقَ السَّمَاوات.

فهناك دَنَا الجبَّارُ - جلَّ جلالُه - منه وتدلَّى؛ فالدُّنوُّ والتَّدلِّي في الحديث غَيْرُ الدُّنوِّ والتَّدلِّي في الآية.

قوله: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} .

أي: أَوْحَى جِبْرِيلُ - عليه السلام -؛ فاللهُأوحى إلى جبريل، وجبريلُأوحى إلى نبيِّنا محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -.

{إلى عبده} ؛ أي: نبيَّنا محمَّدًاصلَّى الله عليه وسلَّم.

{ما أوحى} لم يبيِّن ما أوحاه إليه؛ لأنَّه جاء في مَعْرِضِ التَّفخيم والتَّعظيم.

ويدلُّ على أنَّالمشركين الَّذين أَعْرَضُوا عن الوحي، أعرضوا عن أَمْرٍ عَظِيمٍ، كما قال اللهُ: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُون} .

هذه الآياتُ فيها بَيَانٌ لقرب الإسراء، ثمَّ بعد ذلك عُرِجَ به إلى السَّماء.

قوله: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} .

أَخْبَرَ عن تصديق الفؤاد ما رَأَتْهُ عَيْنَاهُ، وأنَّ القلبَ صدَّق العينَ؛ يعني: رُؤْيَةَ جِبْرِيلَ - عليه السلام -، والآيات العُظْمَى.

فما رآه النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَيْلَةَ المعراج فإنَّه رآه حقًّا ببصره وبصيرته.

أمَّا رُؤْيَةُ الله ففسَّرها ابنُ عبَّاسٍ: «رَأَىَهُ بِفُؤَادِهِ مرَّتين» .

قوله: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} .

أي: أفتجادلونه وتكذِّبونه وتجحدونه؟

والجِدَالُ قد يكون من أجل التَّبيُّن، وقد يكون الدَّافعُ إليه الجُحُودَ فقط؛ فَمَارَوْهُ على رُؤْيَةِ ما أخبرهم من الآيات الَّتي أراه اللَّه إيَّاها.

فلم يَكُنِ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وسلَّم - كاذبًا فيما رآه من الآيات العظيمة في تلك اللَّيلة، بل هو صَادِقٌ، ولكنَّ المشركين كذَّبوه.

-وفيها فوائدُ:

-أوَّلًا: أنَّهم كانوا يجادلونه على رؤية ما أخبرهم من الآيات الَّتي أراه اللَّه إيَّاها، ولو أخبرهم برؤية الرَّبِّ - تعالى - لكانت مماراتُهم له عليها أَعْظَمَ من مماراتهم على رؤية المخلوقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت