فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 581

ثَبَتَ في «الصَّحيحِ» أَنَّرَسُولَ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «إِيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» .

قوله: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} : هذا تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ، وهو النَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، والحقُّ لابدَّ فيه مِنَ اليَقِينِ.

قوله: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} .

لمَّا بَيَّنَ اللهُ لهم الحَقَّ وأنَّ هذه الآلهة لا تنفع ولا تشفع، وَمَعَ ذَلِكَأَصَرُّوا على البَاطِلِ، أَمَرَ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عنهم؛ لأنَّه مضى فيهم قَدَرُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ.

وَفِيهِ تَنْبِيهٌ للرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ولأَتْبَاعِهِألاَّ يَعْتَنُوا بِمَنْأَعْرَضَ عن ذِكْرِ الله وَأَرَادَ الدُّنْيَا.

فالَّذي يُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ يُبْتَلَى بالضَّلالِ، ومن لا يَقْبَلُ الحَقَّ يَفْسَدُ قَلْبُهُ.

قوله: {وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} .

بَيَّنَ هُنَا سَبَبَإِعْرَاضِهِمْ؛ أنَّهم لا يريدون الآخرةَ؛ لأنَّهم أَصْحَابُ مَطَامِعَ وَشَهَوَاتٍ عَاجِلَةٍ، ولا يَعْمَلُ الإنسانُ إلاَّ للشَّيْءِ الَّذي يريده.

فَسَعْيُ هؤلاء مَقْصُورٌ على الدُّنيا، وفي الحديث: «مَنْ كَانَتِ الآَخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ، جَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ» . رَوَاهُ التِّرمذيُّ، وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

الأوَّلُ عِنْدَهُ قَنَاعَةٌ، فَأَفْلَحَ، والآَخَرُ ابْتُلِيَ بالطَّمَعِ، وَفَقَدَ القَنَاعَةَ، فَهَلَكَ.

قوله: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} .

أي: غَايَةُ مَقْصِدِهِمْ وَرَغْبَتِهِمْ وَغَرَضِهِمُ الدُّنْيَا فَقَطْ.

أي: ليس لَهُمْ طَلَبٌ إلاَّ الدُّنْيَا، والسَّعْيُ لَهَا هو غَايَةُ ما وَصَلُوا إِلَيْهِ؛ فَهُمْ يَسْعَوْنَ للدُّنْيَا، ولا يَسْعَوْنَ لِلآَخِرَةِ.

قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} .

اللهُ - سُبْحَانَهُ -أَرْسَلَ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ الكُتُبَ، وَأَقَامَ الحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ بِعَمَلِهِمْ، لا بِعِلْمِهِ، فَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الحقُّ ثمّأَعْرَضَ عنه، هَلَكَ، وَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ فَقَبِلَهُ، نَجَا.

في سورة النَّحل بَعْدَمَا أَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ، بَيَّنَ انْقِسَامَ الخَلْقِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالةُ.

أي أنّاللهَ يَعْلَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الضَّلالَ فَيُضِلَّهُ.

فلمَّا عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يريدون الحقَّ والهِدَايَةَ، وتبيَّن لهم الحقُّ، ولم يتَّبعوه، أَضَلَّهُمُ اللهُ. فَهَذَا فِرْعَوْنُ عَلِمَ - سُبْحَانَهُ -أنَّه لن يتذكَّر ولن يخشى، وأنَّه يَسْتَكْبِرُ، لكن أَقَامَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ.

قوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} .

اللهُأَعْلَمُ - سبحانه - مَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ؛ لأنَّه لمَّا تبيَّن لهم الحقُّ، اتَّبعوه، فَهَدَاهُمُ اللهُ.

وهذا يُعْطِينَا دَرْسًا عَظِيمًا؛ طَلَبُ الهِدَايَةِ مِنَ اللهِ؛ فَرُبَّمَا نَظُنُّ في بَعْضِ الأَوْقَاتِ أَوِ الأَحْوَالِأَنَّنَا على هدًى، وَنَحْن على ضَلالٍ.

نَحْنُ نَقْرَأُ عن علماء راسخين كانوا يبحثون عن الحقِّ وضلُّوا عن الحقِّ، وتمنَّى بعضُهم في آخر عُمُرِهِ أن يموتَ على عَقِيدَةِ العَجَائِزِ.

قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} .

بيَّن اللهُ الحِكْمَةَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوات، وَبَيَّنَ سَعَةَ مُلْكِهِ، وأنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ الغَنِيُّ عن جَمِيعِ خَلْقِهِ؛ أَطَاعُوهُ أَوْ عَصُوْهُ؛ فلا يَنْتَفِعُ بطاعة الطَّائع، ولا يتضرَّر بِمَعْصِيَةِ العاصي.

فَمَا خَلَقَ الخَلْقَ إلاَّ لِيَخْتَبِرَهُمْ، فَمَنأَطَاعَهُ فله الجنَّةُ، وَمَنْ عَصَاهُ فَلَهُ النَّارُ إلاَّ أَنْيَعْفُوَ.

قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت