فأهلُ الجنَّة مكرَّمون من كلِّ وَجْهٍ؛ فعندهم خَدَمٌ، مِثْلُ الضَّيف الكريم.
قوله: {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} ؛ أي: المَسْتُورَ المَصُونَ الَّذي لم تبتذله الأَيَادِي.
أي: في نظافتهم وجمالهم؛ لأنَّه يُدْخِلُ السُّرُورَ على المَخْدُومِ؛ فلو كان الخادمُ سَيِّئَ المنظر، مُتَّسِخَ الثِّيَابِ، وَغَيْرَ نَظِيفٍ، يَدْخُلُ الضِّيقُ على المَخْدُومِ.
قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} . بَعْدَ ذِكْرِ مَطَاعِمِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ وَخَدَمِهِمْ، ذَكَرَ - تعالى - ما يدور بينهم مِنْ حَدِيثٍ؛ مِنْ أين حَصَلَ لنا هذا النَّعيمُ؟ فيتذكَّرون ما كانوا عليه في الدُّنيا.
قوله: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} .
وجودُ الإنسان مع أَهْلِهِ مَدْعَاةٌ إلى عَدَمِ الخوف، والإشفاق، فلمَّا كانوا في أَهْلِهِمْ مُشْفِقِينَ، دلَّ على أنَّ الخوفَ يصاحبهم دائمًا.
ومعناه أنَّ أهْلَ الجنَّة في حالة الاطمئنان مع أَهْلِهِمْ مُشْفِقِينَ، وهذه الصِّفَةُ ينبغي تعاهدُها؛ لأنَّه إذا عوَّد نَفْسَهُ على عدم الخوف، تسلَّط عليه الشَّيطانُ.
لذلك قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لِحَنْظَلَةَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ فِي الطُّرُقَاتِ» . رواه مسلم
وهذا هو أَخَصُّ وَصْفٍ لأهل الجنَّة؛ كانوا في الدُّنيا خائفين من عذاب الله، فلا إِلَهَ إلاَّ الله إذا نَزَلَتْ خَشْيَةُ اللهِ في القلب.
لَيْسَتِ الغَايَةُ كَثْرَةَ الصَّلاةِ والصِّيامِ والعِلْمَ؛ فقد يقوم البعضُ اللَّيلَ كلَّه والتَّقوى مفقودةٌ أو ضعيفةٌ.
وكيف لا نخاف من الله؟ فمن منَّا عَلِمَأنَّه ينجو من عذاب الله؟ نحن غلَّبنا جانب الرَّجاء، فكأنَّنا نحيل هذا الوَعِيدَ على الكفَّار، ونحن لا نعلم هل تَلْفَحُنَا النَّارُ أم لا.
ونحن لا نعلم هل نموت على الإسلام أم لا؟ وهل نُثَبَّتُ؟ لماذا السَّلف يُؤْتُونَ ما أَتَوْا وقلوبُهم وَجِلَةٌ أنَّهم إلى ربِّهم راجعون؟
وهذا يُعْطِينَا عِظَمَ شَأْنِ الخوف من عذاب الله؛ فإنَّه لا يجتمع زَكَاةُ النَّفْسِ مع عدم الخوف؛ فكلُّ عَبْدٍ صَادِقٍ مِنْ عباد الله فإنَّه خَائِفٌ وَوَجِلٌ وَمُشْفِقٌ من عذاب الله.
كيف تعرف أنَّك تخاف الله؟ إذا كُنْتَ تُعَظِّمُ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيهِ.
الخَشْيَةُ مِنْحَةٌ من الله وإذا نَزَلَتْ في القلب، رَقَّ القَلْبُ، وَدَمَعَتِ العَيْنُ.
كان نبيُّنا محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم -يصلِّي، وَيُسْمَعُ في صَدْرِهِ مِثْلُ أَزِيزِ المِرْجَلِ. رواه النسائي و ابن حبان
قوله: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} .
المِنَّةُ هي العَطَاءُ بلا مُقَابِلٍ؛ أي: أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْنَا، فَرَزَقَنَا الخَوْفَ مِنْهُ، وأعطانا الجنَّة، ولم نعمل شيئًا حتَّى نستحقَّ الجنَّةَ؛ لأنَّ دُخُولَ أَهْلِ الجنَّة الجنَّةَ، والنَّجَاةَ والزَّحْزَحَةَعَنِ النَّارِ هو بفضل الله ورحمته؛ لأنَّ أَصْلَ دخول الجنَّة وَأَصْلَ الزَّحْزَحَةِعن النَّار مِنَّةٌ مِنَ الله.
قوله: {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} .
فنجَّانا بهذا الخوف من عذاب النَّار.
قوله: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ} .
أي: نَعْبُدُهُ، ونسأله دخولَ الجنَّة، والنَّجاة من النَّار؛ لأنَّ الدُّعَاءَ يُطْلَقُ على العبادة، وَيُطْلَقُ على المسألة.
انظروا كيف جَمَعُوا بَيْنَ الخوف والرَّجاء يَدْعُونَ ربَّهم خوفًا وطمعًا.
قوله: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} .
تَعْلِيلُ المِنَّةِ عليهم بالنَّجاة من النَّار، ودخول الجنَّة.