فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 581

جاء في حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنِ مَنْصُورٍ، وابنُ جَرِيرٍ، وغيرُهما، عَنِ ابن عبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنَّه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذرِّيَّةَ المؤمن معه في الجنَّة، وإن كانوا دُونَه في العمل؛ لِتَقَرَّ بهم عَيْنُهُ» . ثمَّ قَرَأَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمان} .

إذا كان الابنُ في دَرَجَةٍ أَعْلَى منه فيُلْحَقُ الوالدُ بِالوَلَدِ.

قوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍكُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} .

أخبر هنا عن مَقَامِ العدل، وهو أنَّه لا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ.

أي: ما أنقصنا الآباء وأخذنا منهم شيئًا، بل عَمَلُهُمْ مَوْفُورٌ، وألحقنا بهم الذُّرِّيَّةَ؛ تَكَرُّمًا.

-قاعدةٌ عامَّةٌ في جميع العاملين أنَّكلَّ وَاحِدٍ رَهِينٌ بِعَمَلِهِ، لا يُنْقَصُ منه شَيْءٌ؛ أمَّا الزِّيادةُ فَهِيَ فَضْلٌ من الله - تبارك وتعالى - على من شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ.

-مسألةٌ مهمَّةٌ: مَصِيرُ أبناء الكفَّار: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - عن وَلَدَيْنِ ماتا لها في الجاهليَّة، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «هُمَا فِي النَّارِ» .رواه أحمد، هذه حَالَةٌ خَاصَّةٌ؛ لعلَّه اطَّلَعَ على حَالِهِمْ، لكن الصَّحيحُ أنَّأبناء الكفَّار يُمتحنون يوم القيامة.

ففي الحديث سُئِلَ رسولُ الله عن أبناء المشركين فقال: «اللهُأَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» رواه أحمد و أبو داوود؛ أي: بما يؤول إليه أَمْرُهُم حينما يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ القيامة.

أمَّا أبناء المسلمين فبالإجماع إنَّهم في الجنَّة؛ فَمَنْ تُوُفِّيَ قبل البلوغ فهو في الجنَّة.

ثمَّ بعد اجتماعهم ذَكَرَ اللهُ لنا مجلسًا من مجالس أهل الجنَّة، وبيَّن فيه أنواعًا من النَّعيم؛ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَخَدَمٍ، ثمَّ ذَكَرَ ما يَدُورُ بينهم مِنْ حَدِيثٍ.

قوله: {وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} .

أي: أعطيناهم فَوَاكِهَ كَثِيرَةً. وهي ما يُتَفَكَّهُ به من أنواع الفواكه اللَّذيذة.

أهلُ الجَنَّةِ لا يأكلون عَنْ جُوعٍ، إنَّما من باب التَّلذُّذِ، وليس من باب التَّقوُّتِ؛ فهم يتنعَّمون بالأكل عند أكله، وعند خروجه يخرج رشحًا كرائحة المِسْكِ.

قوله: {وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} .

اللَّحْمُ هنا ممَّا تَشْتَهِيه أَنْفُسُهُمْ.

وفي آيةٍ أُخْرَى: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُون} .

اللهُ أَعْطَاهُمْ فَوَاكِهَ ولحومًا مِنْ أنواعٍ شتَّى، ممَّا يُسْتَطَابُ ويُشْتَهى.

قوله: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ} .

أي: يتجاذبون ويتناولون هذه الكؤوسَ على سبيل المداعبة والأُنْسِ والانْشِرَاحِ. ولا يُطْلَقُ على الكأس كأسًا إلاَّ إذا كان مملوءًا شرابًا.

فيُطَافُ عليهم بتلك الكؤوس المليئة بالخَمْرِ، وخَمْرُ الجنَّة لَذِيذٌ وَطَيِّبُ الرَّائِحَةِ، وخَمْرُ الدُّنْيَا مُرَّةٌومُنْتِنَة وسيِّئة الأثر على الصِّحَّة والعقل.

قوله: {لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ} .

لأنَّ خَمْرَ الدُّنْيَا يَصْحَبُهَا لَغْوُ كَلامٍ، وَلَغَطٌ بَذِيٌّ، يَأْثَمُبه صاحبُه؛ فهي وَسِيلَةٌ إلى لَغْوٍ أو بَاطِلٍ. فنزَّه اللهُ خَمْرَ الجنَّة عن ذلك.

فَخَمْرُ الآخرة ليس فيها مَضَرَّةٌ، ولا مَفْسَدَةٌ؛ فَنَزَّهَ اللهُ خَمْرَ الآخرة عن آَفَاتِ خَمْرِ الدُّنيا وَأَذَاهَا.

قوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} .

أي: يتردَّد عليهم غِلْمَانٌ أَنْشَأَهُمُ اللهُ في الجنَّة خدمًا لأهلها، خَلَقَهُمْ كالحور، والغلامُ هو الصَّغيرُ.

لهم أي: يملكونهم؛ لأنَّ أَهْلَ الجنَّة مُلُوكٌ. وملكهم فيه جَمِيعُ متطلَّبات المُلْكِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت