فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 581

أي: نَعِيمٌ في أبدانهم، وَنَعِيمٌ في قلوبهم؛ فَهُمْ في سُرُورٍ دَائِمٍ، وفي صِحَّةٍ وَشَبَابٍ وَحَيَاةٍ دَائِمَةٍ ونعيمٍ لا بُؤْسَ فيه؛ أي: لا هَمَّ، ولا غَمَّ.

{فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ}

قوله: {فَاكِهِين} .

أي: فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ بما مَنَحَهُمُ اللهُ من نعيم الجنَّة. شتَّان بين من يُدْفَعُ إلى النَّار وبين من يتلذَّذ بنعيم الجنَّة.

قوله: {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} .

أي: حَمَاهُمْ مِنْ عذاب النَّار. وتلك نعمةٌأخرى تُضَافُ إلى نعمة دخول الجنَّة؛ النَّجاة من عذاب النَّار.

فلمَّا حصلوا على المرغوب نَجُوا من المرهوب، فلمَّا نَجُوا من النَّار وجاءت الجنَّة فَضْلٌ ثَانٍ.

قوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

ليس فيها مُنَغِّصٌ أو كَدَرٌ أو أَلَمٌ؛ أَكْلٌ هَنِيءٌ، وشرابٌ هَنِيءٌ، ولا تُخَافُ غَوَائِلُهُ. إنَّما هو صِحَّةٌ وَلَذَّةٌ وعافيةٌ.

وفي آَيَةٍأُخْرَى: {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} ؛ أي: سهلًا، لا غُصَّةَ فيه، ولا مُكَدِّرَ.

في الدُّنيا قال: {كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} ، وفي الجنَّة قال: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا} .

قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون} ؛ أي: بسبب أعمالكم الصَّالحة؛ تَفَضُّلًا من الله، وإحسانًا.

والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وليست عِوَضِيَّةً؛ لأنَّ الجنَّةَ لا ثَمَنَ لها؛ الجنَّةُ فَضْلٌ من الله، والعملُ سَبَبٌ في دخولها.

قوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ} .

الاتِّكاءُ يَدُلُّ على الرَّاحَةِ، وهم جُلُوسٌ على الأَسِرَّةِ المزيَّنة بفاخر الثِّياب والسُّتور.

وسُرُرُ الجنَّة عالية .. مصفوفةٌ .. موضونةٌ؛ أي: مَنْسُوجَةً بالذَّهب.

مصفوفة؛ أي: مُتَسَاوِيَةً؛ بعضُها إلى جنب بعضٍ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْنَسَ بعضُهم بِبَعْضٍ.

قوله: {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} .

أي: قَرَنَاهُمْ بِنِسَاءٍ وَاسِعَاتِ الأَعْيُنِ جَمِيلاتٍ.

قوله: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} .

الذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ في الأغلب على الأبناء؛ لأنَّهم الأصلُ. وقيل: «تُطْلَقُ الذُّرِّيَّةُ على الآباء باعتبار السَّبب، كما في قوله: {وآيةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلنَا ذُرِّيَتَهُمْ} » . قيل: «آَبَاءَهُمْ» .

وَمِنْ تَمَامِ لَذَّةِ الكامل الَّذي رَفَعَ اللهُ دَرَجَتَهُ أن يُلْحَقَ به ابنُهإن كان أَقَلَّ منه دَرَجَةً، أو يُلْحَقَ الأبُ بِابْنِهِإن كان أَرْفَعَ منه دَرَجَةً. وكلُّه فَضْلٌ مِنَ اللهِ.

وأظهرُ القولين هنا، وهو قولُأغلب المفسِّرين أنَّهم الأبناءُ.

أخبرهما عن مقام الفضل، وهو رَفْعُ دَرَجَةِ الذُّرِّيَّةِ إلى منزلة الآباء مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ يقتضي ذلك.

فَرَفَعَ اللهُ الأدنى إلى الأعلى؛ ليصبحوا في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لكي تجتمع الأُسْرَةُ الوَاحِدَةُ.

واجتماعُهم هذا مِنْ أَعْظَمِ النَّعيم؛ الاجتماع بعد الافتراق في الدُّنيا. وهذا الاجتماعُ ليس بَعْدَهُ افتراقٌ؛ فَيُقِرَّ اللهُ أَعْيُنَ الآباء بالأبناء، والعكس بالعكس؛ فالمؤمنون إذا اتَّبعتهم ذرِّيَّتُهم في الإيمان، يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملَهم؛ لِتَقَرَّ أَعْيُنُ الآباء بالأبناء؛ كَرَامَةً من اللهِ للآَبَاءِ.

ولكنَّ ذلك له أسباب؛ أن تكون الذُّرِّيَّةُ مُؤْمِنَةً؛ أمَّا إذا اختلف الدِّينُ فاللهُ يفرِّق بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت