فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 581

لمَّا ذَكَرَ اللهُ جَزَاءَ الكافرين وما أعدَّ لهم من العذاب في النَّار نتيجة كفرهم وإنكارهم للوعد والوعيد، ذَكَرَ هنا جزاء المتَّقين، وما أعدَّ لهم من نَعِيمٍ.

-دروس وفوائد:

منها فَرْقٌ بين الصَّبر في الدُّنيا والآخرة؛ الصَّبْرُ في الدُّنيا عن المعاصي يستفيد صاحبُه، والصَّبْرُ في الآخرة على العذاب لا فَائِدَةَ له.

ومنها أنَّنا عرفنا مثل ما عرف السَّلَفُ، فلماذا لا نخشع مثلهم؟ إذا قَذَفَ اللهُ خَشْيَتَهُ وَهَيْبَتَهُ في قلوبنا كأنَّنا في ذلك اليوم.

ومنها أنَّأهلَ النَّار يعاقبون بعقوباتٍ كثيرةٍ؛ يُعْرَضُونَ على النَّار قَبْلَ دُخُولِهَا عذابًا قبل العذاب، ويوم يُعْرضُونَ على النَّار فيحصل لهم أَلَمٌ وَعَذَابٌ لا يعلمه إلاَّ اللهُ.

لمَّا تمتعوا في الدُّنيا بكلِّ متعةٍ قيل لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيْبَاتِكُمْ} ؛ أي: أَخَذْتُمْ ما تريدون في الدُّنيا.

فَآَخِرُ لذَّةٍ يحصل عليها الكافرُ وآخرُ لباسٍ وآخرُ شربةٍ وآخرُ لقمةٍ، لكن بعد الموت ليس له أيُّ لَذَّةٍ في الآخرة.

ومنها أنَّالإنسانَ إذا وَقَعَ في المعاصي، نَقَصَتْ طيِّباتُه في الآخرة؛ «مَنْ لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يَلْبَسْهُ في الآخرة، وَمَنْ شَرِبَ الخمرَ في الدُّنيا لميَشْرَبْهُ في الآخرة، ومن شرب في آَنِيَةِ الذَّهب والفضَّة في الدُّنيا لم يشرب بها فيالآخرة» . أخرجه أحمد و النسائي و الحاكم، ثمَّ قال: «لِبَاس أَهْلِ الجنَّة وشراب أَهْلِ الجنَّة وآنية أهل الجنَّة» .

قال الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» : «أخرجه الحاكمُ» .

ومنها: انالكثيرُ منَّا لا يعلم عن النَّار وما فيها من الوعيد؛ فمن دخل النَّار فمسكنُه في النَّار، وطعامُه فيالنَّار شجرةُ الزَّقُّوم، وهذه الشَّجرةُ لثمرها أَرْبَعُ صِفَاتٍ؛ مُرٌّ وَمُنْتِنٌ وفي منتهى الحَرَارَةِ وَمَنْظَرُهُ سَيِّئٌ، ويُمْلأ بَطْنُهُ منه. ويأكله على تَكَرُّه.

والشَّرابُ نَارٌ يقطِّع الأمعاء، ويُصَبُّ من فَوْقِ رءوسِهِم، وَيُصْهَرُ به ما في بطونهم والجلودُ.

قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} .

مِنْ عَظَمَةِ القرآن أنَّه يأتي بالمتقابلات؛ فإذا ذَكَرَ الفجَّار أَرْدَفَ بِذِكْرِ الأبرار؛ فالقرآنُ مَثَانِي للتَّرغيب والتَّرهيب.

التَّقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وِقَايَةً، وليست العِبْرَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلاة والصِّيام؛ فَرُبَّ شَخْصٍ يَقُومُ اللَّيلَ كلَّه، والتَّقوى مفقودةٌ.

إنَّ التَّقوى هي أن تعظِّم أَمْرَ الله ونَهْيَهُ، وَمِنْ هنا إذا اكْتَمَلَ الإيمانُ في القلب، انْقَادَتِ الجَوَارِحُ لطاعة الله، وابتعدت عن معصية الله.

فَأَعْظَمُ مِنْحَةٍ من الله نِعْمَةُ الإيمان، وإذا ضَعُفَ الإيمانُ في القلب، ضَعُفَتِ التَّقْوَى، وقسا القَلْبُ، وتمرَّدت الجوارحُ، وَكَسِلَتْ عن الطَّاعات، ونشطت في المعاصي.

الجنَّة جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، والسبب أنَّ النَّاسَ متفاوتون في التَّقوى والإيمان؛ فلا يسوِّي اللهُ بين المجتهد والمقصِّر.

وفي الحديث: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءُونَ أَهْلَ الغُرَفِ كَمَا تَتَرَاءُونَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي السَّمَاءِ» .رواه البخاري. والسَّببُ أنَّرؤيةَ القَاصِرِ مِنْ تَمَامِ لَذَّةِ الكَامِلِ؛ لأنَّ اللهَ جَمَعَ لأهل الجنَّة كَمَالَ اللَّذَّات؛ ففي الدُّنيا يتلذَّذ الغنيُّ والسَّيِّدُ برؤية مَنْ هو أَقَلُّ منه.

فما مِنْ لَذَّةٍ في الدُّنيا إلاَّ وفي الجنَّة ما هو أَكْمَلُ منها.

قوله: {وَنَعِيم} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت