فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 581

فهم مع إنكارهم يلعبون، والمقصود أنَّهم يخوضون في الحقِّ على جهة اللَّعب.

أي: يتَّخذون دينَهم هُزُوًا ولعبًا. فعاشوا وهم يسخرون ويستهزئون.

فائدة:

ومع الأسف أصبحت قلوبُ البَعْضِ اليَوْمَ مِثْلَ قلوب هؤلاء؛ لا يتَّعظون بكسوفٍ ولا بزلزالٍ ولا بأعاصيرَ ولا بأمراضٍ، وكلَّما جاءت آَيَةٌ يخوِّفُ اللهُ بها عبادَه يقولون ظواهر طبيعه كما قال اللهُ عنهم: {وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} . تشابهت قلوبُهم، فتشابهت أقوالهم.

ثمَّ ذَكَرَ جزاءهم يوم القيامة، وكيف يستهزأ بهم، ويعامَلون بشدَّةٍ وقسوةٍ.

قوله: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} .

تُمَثَّلُ لهم النَّارُ كأنَّها سَرَابٌ؛ أي: كأنَّها حَوْضُ نَهْرٍ، وهم على أشدِّ ما يكونون من العطش، فيذهبون إليها سراعًا يريدون أن يشربوا منها؛ حتَّى يزول عنهم العطشُ، فإذا هي النَّارُ والعياذ بالله، فيتوقَّفون، فَيُدَعُّونَ إليها دعًّا؛ أي: يُدْفَعُونَ بِعُنْفٍ وَشِدَّةٍ، فيتساقطون فيها.

إنَّهم يساقون إلى النَّار بِعُنْفٍ، وَيُدْفَعُونَ بِشِدَّةٍ فيدخلون النَّار دفعًا شديدًا، كما يَدْخُلُ السُّجَنَاءُ السِّجْنَ.

قوله: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} .

ويقال لهم: «هذه النَّارُ الَّتي تشاهدونها هي النَّار الَّتي كنتم تكذِّبون بها في الدُّنيا» ؛ ففي الدُّنيا من كان يُنْكِرُ النَّارَ والبَعْثَ، وهناك من يؤمن بوجود النَّار ولكن يقول: لن تمسَّنا النَّارُ إلاَّ أيَّامًا معدودةً ثمَّ نخرج. ولكنَّ الحَقِيقَةَ غَيْرُ ما يتصوَّره هؤلاء.

قوله: {أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ} .

عند رؤية النَّار يوم القيامة والوقوع فيها تجلَّت الحقائق، ويُقالُ لهم تذكيرًا بما كانوا يقولون في الدُّنياعن القرآن، ويكذِّبون بكلِّ ما وعد به، ويقولون: إنَّ ما جاءت به الرُّسُلُ سِحْرٌ. وَيَصِفُونَ الرَّسول بأنَّه سَاحِرٌ- {أفسحر هذا} ؛ تَوْبِيخًا لهم.

قوله: {أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ} .

عَذَابُ الآَخِرَةِ حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌإن لم تُبْصِرُوهَا في الدُّنْيَا بالبَصِيرَةِ النَّافعة، فإنَّكم سترونها بعينكم الباصرة المرئيَّة.

قوله: {اصْلَوْهَا} .

أي: ادخلوها، وذوقوا حرَّ هذه النَّار.

قوله: {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} .

أي: الصَّبْرُ لن ينفعكم؛ فلو قدِّر أن جُلِدَ رجلان على شرب خَمْرٍأحدهما يبكي أثناء الضَّرب، والآخر لم يبك، كلاهما مُتَأَلِّمٌ، سَوَاءٌ صَبَرَ أَوْ جَزَعَ.

فالَّذي صَبَرَ لمَّا ضُرِبَ ماذا استفاد؟ الأَلَمُ حَاصِلٌ؛ فلم ينتفع بالصَّبر؛ لأنَّ الصَّبْرَ في الدُّنيا على المكاره والمشاقِّ ينتظر الفرج، لكن في الآخرة لا ينفع؛ فلو صَبَرَ ما استفاد، لكن لو صَبَرَ عن المعصية لاستفاد،

فمثلًا المجاهدُ في سبيل الله تضربه الرِّماحُ وهو صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ، فهذا صَبَرَ في الاختبار، فَنَجَحَ.

والآخَرُ قَتَلَ شَخْصًا أو فَعَلَ مَعْصِيَةً لمَّا عوقب على جريمته؛ فلو صَبَرَ، ما استفاد، أمَّا لو صبر عن المعصية استفاد. وهكذا

قوله: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

أي: لا تُعَاقَبُونَ إلاَّ بسبب معاصيكم وكفركم؛ أَيِ: استحققتم هذا العَذَابَ بِسَبَبِ أعمالكم الكفريَّة؛ فاللهُ لا يعذِّب إلاَّ من يستحقُّ العذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت