أقسم -سبحانه - في مُفْتَتَحِ الأُمُورِ السِّتَّة المشاهَدة والمَغِيبَة والدَّالَّة على قدرته وعظمته على أنَّالعذابَ الَّذي كذَّب به الكفَّارُأنَّه وَاقِعٌ وَكَائِنٌ لا مَحَالَةَ، وأنَّه حَقٌّ.
فأقسم- سبحانه - رَحْمَةً بعباده، وَمِنْ عَدْلِهِ، وَمِنْ حِلْمِهِ، فَأَقْسَمَ لِخَلْقِهِ فقال.
قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} .
أي: وقوعُ العذاب الَّذي كذَّب به الكفَّار وَاقِعٌ وَحَاصِلٌ لا مَحَالَةَ في وقته؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ لوقوعه وَقْتًا.
فاللهُ لا يَعْبَأُ بِتَكْذِيبِ الكفَّار، ولا يُخْلِفُ وَعْدَهُ، ولا يُغَيِّرُ سُنَّتَهُ من أجل تحدِّي أُنَاسٍ ليسوا بِشَيْءٍ، ولولا أَجَلٌ مُسَمًّى قدَّره، لجاءهم العَذَابُ.
قوله: {مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} .
أي: لا يَقْدِرُ أَحَدٌ على دَفْعِهِ وَلا رَدِّهِ؛ لا قَبْلَ وُقُوعِهِ، ولا بَعْدَ وُقُوعِهِ.
فلا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أن يَخْرُجَ عن قَهْرِهِ وَأَمْرِهِ، ولا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أن يردَّ عَذَابَ الله؛ كائنًا من كان؛ {إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} .
يَوْمَ القيامة تَنْقَطِعُ فيه الصِّلاتُ والأسبابُ، ولا يبقى إلاَّ ما كان لله، وما عداه يَنْدَثِرُ وَيَضْمَحِلُّ.
اللهُ نَصَبَ الأَسْبَابَ في الدُّنيا، عند أيِّ مُشْكِلَةٍ تَبْحَثُ عمَّن يدفعها.
وإذا اشتدَّ الحرُّ تَبْحَثُ عن أيِّ سَبَبٍ يدفعه، كالبحث عن ظِلٍّ، أو مكان الهواءُ فيها عَلِيلٌ، أو تستعمل أشياء تخفِّف عنك الحَرَّ، والأسبابُ كَثِيرَةٌ، لكنَّ يَوْمَ القيامة لا تنفع فيه الأسبابُ؛ فلا تنفع فيه خُلَّةٌ، ولا شفاعةٌ، ولا بَيْعٌ، ولو يُبْذَلُ ما يُبْذَلُ.
يَوْمَ القيامة تنقطع فيه الأسبابُ والأنسابُ والصِّلاتُ، وتذهب؛ فلا ينفع مَالٌ ولا بَنُون إلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. ففي الحديث: «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ سَبَبِي وَنَسَبِي» . رواه البزار و الطبراني (ضعيف)
ولسائلٍ أن يَسْأَلَ: متى يكون هذا العَذَابُ؟ فكان الجوابُ مِنَ الله.
قوله: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} .
بيَّن لهم متى يكون العذابُ؛ عند اضطراب السَّماءِ اضطرابًا شَدِيدًا، فتتشقَّق، وذلك عند نهاية الحياة الدُّنيا، وذلك حينما ينفخ النَّافخ في الصُّور، فيختلَّ نِظَامُ هذا الكونِ، وَتَنْحَلَّ رَوَابِطُهُ.
قوله: {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} .
الجبالُ تُزَالُ عن أماكنها، وَتُنْسَفُ، وَتُدَكُّ، حتَّى تكون كأنَّها لم تَكُنْ.
وإذا حَصَلَتْ هذه الأَهْوَالُ العظيمةُ الَّتي لا يتصوَّرها عقلٌ، غُيِّرَتِ الأرضُ والسَّمَاءُ، وتنتهي الدُّنيا.
وكلُّه مِنْ بَابِ التَّيْئِيسِ للكفَّار؛ أنَّه لا عَوْدَةَ للدُّنيا، فانتقلوا من الدُّنيا إلى دار الحساب، فماذا يكون إذا حصلت هذه الأهوال؟
قوله: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} .
هنا هدَّد وتوعَّد المكذِّبين. و «وَيْلٌ» فُسِّرَتْ بعدَّة تَفْسِيرَاتٍ، والَّذي يجمعها كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ بِعَذَابٍ؛ فقد يكون معينًا؛ كَوَادٍ في جَهَنَّمَ، أو تهديدًا بِعَذَابٍ.
فالهلاكُ وَاقِعٌ في هذا اليوم بالمكذِّبين؛ فقد حلَّ بهم ما يوعدون.
وهذه الحقيقةُ لا تنكشف للمكذِّبين إلاَّ عند معاينة العذابِ؛ {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} .
قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} .
الخَوْضُ التَّرَدُّدُ في الشَّيء، ويكون غالبًا في الشَّيء الباطل؛ فقد كانوا يتخبَّطون في الأباطيل ويقولون: ساحر وكاهن وشاعر. فيكذِّبون بالقرآن، ويستهزئون بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويكذِّبون بكلِّ ما وَعَدَ به.
قوله: {يلعبون} .