«البَرُّ» كَثِيرُ البِرِّ وكثيرُ الخير؛ فهو يعطي عطاءً واسعًا بلا مِنَّةٍ فيه.
و «الرَّحيم» أي: مُتَّصِفٌ بصفة الرَّحمة؛ فَمِنْ بِرِّهِ ورحمته أدخلنا الجنَّة، ونجَّانا من النَّار.
لمَّا ذَكَرَ اللهُ حَالَ الفريقين أَهْلِ الجنَّة والنَّار، أَمَرَ نبيَّه بالتَّذكير، وفيها اسْتِئْنَاسٌ له.
هذه الآياتُ فيها تَقْرِيرٌ لرسالةنبيِّنا محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنَّهُ مُرْسَلٌ من رَبِّهِ، لا مِرْيَةَ فيه، ولا شُبْهَةَ، فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أُمُورٍ في إثبات رسالته:
-الأمرُ الأوَّلُ: أنّالقُرْآَنَ كَلامُ اللهِ، وليس كَلامَ كَهَنَةٍ ولا شعراء ولا بَشَرٍ؛ فأكبرُ دَلِيلٍ على رسالته القرآنُ.
-والأَمْرُ الثَّاني: أَمَرَ رَسُولَهُ أن يتحدَّاهم أن يأتوا بِمِثْلِهِ، أو بِعَشْرِ سُوَرٍ أو بِسُورَةٍ.
-والأَمْرُ الثَّالثُ: أنَّاللهَ عَصَمَهُ من النَّاس؛ فَمَعَ عِظَمِ عداوتهم له ومحاولتهم لِقَتْلِهِلم يُفْلِحُوا؛ حتَّى إنَّه ذرا عليهم شيئًا من التُّراب، فَغَشَّى أبصارَهم، وهذا لا يكاد يكون إلاَّ لِنَبِيٍّ مَعْصُومٍ.
قوله: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} .
أَمَرَهُ اللهُ أن يستمرَّ في الدَّعوة إلى الله، ولا يلتفت إلى أقوالهم، واتِّهامات أهل الباطل.
{فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} . النِّعْمَةُأخصُّ من الرَّحمة؛ لأنَّ النِّعمةَ فيها خُصُوصٌ، والرَّحمةَ فيها عُمُومٌ لِلخَلْقِ، وأضاف اللهُ النِّعْمَةَ إليه؛ تأكيدًا لِعِظَمِهَا.
نَفَى عن نبيِّه اتِّهامات الكفَّار؛ {وما أنت} يا محمَّدُ، {بنعمة ربك} عَلَيْكَ بالنُّبوَّة والقرآن، {بكاهن} وهو مَنْ يَدَّعِي علم الغيب في المستقبل. {ولا مجنون} ؛ أي: من به مَسٌّ من الجِنِّ؛ لأنَّ الجُنُونَ نَوْعان؛ فَاقِدُ العقل، أو مسٌّ. والأَظْهَرُ المَسُّ.
وكيف يكون مجنونًاوقد أَتَى بما يُعْجِزُ العُقَلاءَ قَاطِبَةً أن يأتوا بِمِثْلِهِ، فيستحيل أن يَصْدُرَ هذا الكلامُ عن مَجْنُونٍ، والقرآنُ كلُّه حَقٌّ يدعو إلى كلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ، وَيَنْهَى عن كلِّ قَبِيحٍ ومضرٍّ. فأين الجنون؟!
قوله: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} .
ذَكَرَ عِدَّةَ أَسئِلَةٍ، وتضمَّنت الإجابةَ، وفيها توعُّدٌ وتحدٍّ وردٌّ على التُّهَمِ الَّتي رُمِيَ بها نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -.
وفي بقيَّة السُّورة خَاطَبَ اللهُ هؤلاء الجاهلين بأسلوبٍ استنكاريٍّ فيه تعجُّبٌ من جهالتهم، وفيه ردٌّ حكيمٌ على أباطيلهم وأكاذيبهم، بأسلوبٍ تكرَّرت فيه لفظة «أَمْ» خَمْسَ عَشْرَةَ مرة، وكلُّها إلزاماتٌ ليس لهم عنها جوابٌ.
هذا القرآن فيه ردٌّ على الطَّاعنين كلِّهم، وردٌّ على جميع الطُّعون والشُّكوك، وفيه توعُّدٌ وتحدٍّ.
«أم» تأتي منقطعةً بمعنى «بل» ، وتأتي عَاطِفَةً؛ «بل يقولون» .
والاستفهام هنا للتَّوبيخ والإنكار، وتعجُّبٌ مِنْ جَهَالَتِهِمْ حينما قالوا: شَاعِرٌ ننتظر به نُزُولَ الموت فيموت، وتموت دعوتُه.
قوله: {قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} ؛ أي: انتظروا هل يموت وتموت دعوته أو أنَّكم أنتم تموتون وتموت معارضتكم؟ فستعلمون لِمَنِ العاقبةُ.
فأنتم تنظرون موتي، وانقطاع رسالتي، وأنا أنتظر موتكم، وما يحْل بكم من العذاب، لكن الإسلامُ بَاقٍ ومستمرٌّ، ويصدِّق الواقع.
اليَوْمَ ذِكْرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باقٍ في القرآن والسُّنَّة إلى قيام السَّاعة، والكفَّار ماتوا، ومات ذِكْرُهُمْ، ويتبعهم الذَّمُّ كلَّما ذُكِرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا} .
أي: عُقُولُهُمْ تَأْمُرُهُمْ بِهَذِهِ الأَبَاطِيلِ؛ فوبَّخهم على عِنَادِهِمْ وجحودِهم، وإلاَّ فهم يعلمون وهم عقلاء بأنَّ القرآنَ والرَّسولَ ما يشابه هذه الأشياء الَّتي يدَّعونها من شِعْرٍ وَسِحْرٍ وكِهَانةٍ.
{أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} .