فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 581

أي: أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِالغَرَقِ مِنْ قَبْلِ هؤلاء؛ لِتَقَدُّمِ زَمَنِهِمْ على زَمَنِ فِرْعَوْنَ وعادٍ وثمود؛ لأنَّهم كانوا قومًا فاسقين؛ أي: خَارِجِينَ عن طاعة اللَّه.

ذَكَرَ اللهُ في هذا السِّياق عددًا من الأُمَمِ الَّتي أَهْلَكَهَا اللهُ، فَذَكَرَ قَوْمَ لُوطٍ، وأنَّهم أُهْلِكُوا بِقَلْبِ قُرَاهُمْ، وَرَمْيِهِم بالحِجَارَةِ مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، ثمَّ ذَكَرَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وأنَّه أَهْلَكَهُم بِالغَرَقِ.

ثمَّ ذَكَرَ عَادًا، وأنَّه أهلكهم بِرِيحٍ عَاتِيَةٍ، ثمَّ ذَكَرَ ثَمُودَ، وأنَّه أهلكهم بالصَّيْحَةِ، ثمَّ ذَكَرَ قَوْمَ نُوحٍ، وأنَّه أَهْلَكَهُمْ بِالغَرَقِ؛ {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُو} ؛ فالماء من جُنُودِ الله، والصَّيْحَةُ والرِّيحُ والمَرَضُ والغَرَقُ.

هذه هي نِهَايَةُ قَوْمٍ عُتَاةٍ طُغَاةٍ، ظَلَمُوا وَبَغُوا، وكذَّبوا رسلَهم وافتروا، وأصرُّوا على الكفر والضَّلال، وعاندوا، وعارضوا كلَّ هِدَايَةٍ من اللَّه.

فَقَصَّ اللهُ هذه القَصَصَ على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -؛ تَسْلِيَةً لرسوله، وَعِبْرَةً للمؤمنين إلى يوم القيامة، وأن يعتبروا بما جرى للأمم المكذِّبة، وما حَلَّ بها من نَكَبَاتٍ وعقوباتٍ إذا لم يؤمنوا بِرُسُلِهِمْ.

لمَّا ذَكَرَ اللهُ عُقُوبَاتِ الأمم السَّابقة الكافرة والمعاندة لرسلهم، بَيَّنَ اللهُ هنا الآياتِ الدَّالَّةَ على وحدانيَّته وربوبيَّته وقدرته وعظمته.

قوله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} .

السَّمَاءُ لها مَعْنَيَانِ:

-المعنى الأوَّل: السَّماء المبنيَّة ذات الأَجْرَامِ، وَتُطْلَقُ على كلِّ ما علا وارتفع.

وعليه فالمُرَادُ بها هنا السَّمَاءُ المَبْنِيَّةُ؛ فالله هو الَّذي خَلَقَهَا، وجعلها بِنَاءً مرتفعًا فَوْقَ الأرض.

قوله: {بأيد} .

أي: بَنَاهَا بِقُوَّةٍ؛ لأنَّ الأيدي معناها القوَّةُ، وليس المَقْصُودُ بها صِفَةَ اليَدِ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ صِفَةِ اليد لله في مواضع أخرى؛ بلفظ الأَيْدِي {مما عملت ايدينا} ، وبلفظ التَّثْنِيَةِ، وبلفظ الإفراد {يَدُ الله} .

لكن المَقْصُودُ بها هنا «الأيدي» أي: ذا القوَّة والشِّدَّة والسَّطْوَة؛ لأنَّ السَّمَاءَأَمْرُهَا عَجِيبٌ؛ بَنَاهَا اللهُ مُتَرَاكِبَةً بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.

قوله: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} .

أي: في السَّماء. فيحتمل أصل الخَلْقِ، ويحتمل التَّغيير يوم القيامة؛ لأنَّ الأَرْضَ فيها النَّارُ، وتكون الجنَّةُ في السَّماء؛ فاللهُ - تعالى - الواسعُ، وهو الموسعُ للأشياء.

من العادة أن يكون السَّقْفُ مَحْدُودًا، وله أَطْرَافٌ، لكن السَّماء ليس لها حُدُودٌ؛ أينما ذَهَبْتَ فالسَّمَاءُ فَوْقَكَ، والأرضُ تَحْتَكَ.

وقيل: «موسعون أَعَمُّ من توسيع السَّماء» .

فاللهُ مُوَسِّعُ الأرزاق، وَمُوَسِّعُ المخلوقات؛ فهي تَعُمُّ كلّأفعال اللهِ.

قوله: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} .

أي: مهَّدْنَاهَا، وَبَسَطْنَاهَا؛ لتصلح للعيش فوقها، والاستقرار عليها؛ فالنَّاسُ يَعِيشُونَ فَوْقَهَا يغدون ويروحون ويسكنون ويمشون ويزرعون.

قوله: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} .

الممهِّد هو الله، فَجَعَلَهَا ممهَّدةً ومهيَّأةً في طُرُقِهَا وجبالها وبَرِّهَا وبحرها وَفَلَوَاتِهَا؛ أي: هيَّأها لمصالح العباد.

قوله: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} .

لفظ شَيْءٍ دَاخِلٌ في العموم، والأزواج هي المتقابلة؛ السَّماء والأرض، واللَّيل والنَّهار، والجنَّة والنَّار، والذَّكر والأنثى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت