أي: خَلَقَ اللهُ زَوْجَيْنِ مِنْ جَمِيعِ المخلوقات، وجعل الزَّوجين لبقاء المخلوقات واستمرار وجودها؛ فاللهُ خَلَقَ كلَّ شَيْءٍ، وتحدَّى العَالَمَ كلَّه أن يَخْلُقُوا ذُبَابَةً.
ومع شدَّة معارضة أهل الكفر لم يُجِبْ أَحَدٌ؛ فاللهُ وَحْدَهُ هو المنفردُ بالخَلْقِ والإيجاد.
وما دام أنَّه المتفردُ بالخَلْقِ والإيجاد فيجب إفرادُه بالعبادة.
قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .
قال بعضُ السَّلَفِ: «يجب أن يتفكَّروا؛ حتَّى يتذكَّروا؛ فاللهُأَمَرَنَا بالتَّفكُّر والتَّذكُّر في مخلوقاته، وَمِنْ ثَمّأَفَادَ التَّفكُّر في آخر سورة آل عمران التَّذكُّر، وأفادهم الخَوْفَ من النَّار، والإيمان بالله.
وهذه الآياتُ الثَّلاثُ هي تَطْوِيفٌ بالإنسان في مَلَكُوتِ السَّماوات والأرض، وفي كلِّ شَيْءٍ؛ لعلَّكم تتذكَّرون.
أي: تتفكَّرون في آيات الله ومخلوقاته، كيف تتناسل، وكيف تتكاثر، وكيف تتنوَّع؛ حتَّى تعلموا قُدْرَةَ الله، وهذه المخلوقاتُ إذا تفكَّرت فيها، تدلُّك على عظمة الله.
لمَّا بَيَّنَ - سبحانه -أنَّه لا رَبَّ سِوَاهُ، ولا خَالِقَ سِوَاهُ، ولا مُدَبِّرَ غَيْرُهُ، فكانت النَّتيجةُ الحاصلةُ من التَّفكُّر والتَّذكُّر الفِرَارَإِلَيْهِ؛ فالتَّفكُّرُ وَسِيلَةٌ إلى غَايَةٍ؛ وهي عبادةُ الله.
قوله: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} .
أي: فرُّوا مِنْ غَيْرِهِإِلَيْهِ. وفرُّوا منه إليه أي: فرُّوا إليه بالإيمان به، وفرُّوا إلى الله تَارِكِينَ غَيْرَهُ، ومهاجرين إليه.
أي: يفرون ويرجعونإليه في جميع أمورهم؛ في حالة الرَّخاء والشِّدَّة، وفي حالة اليُسْرِ والعُسْرِ.
وهذه قَاعِدَةٌ في القرآن؛ ما أصاب النَّاسَ في دينهم أو دنياهم فهو بِسَبَبِأنفسِهم، والمَخْرَجُ الفَرَارُ إلى الله، والرُّجوعُ إلى دِينِهِ وَطَاعَتِهِ.
ففرُّوا من الشِّرْكِ والمعاصي إلى الله بالتَّوْبَةِ؛ فما يُصِيبُ الإنسانَ في نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَبَدَنِهِ وَأَهْلِهِ بسبب نفسه؛ فإذا كنت تريد النَّجاة، فَفِرَّ إلى الله؛ وكلَّما حصل لك مَكْرُوهٌ أو مُضَايَقَةٌ فَفَرَّ إلى الله.
قوله: {إِنِّي لَكَمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِين} .
اللهُأَمَرَنَا بالفرار إليه، والرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلٌ مِنَ الله لِيُنْذِرَنَا؛ مِنْ أَجْلِ أن ينقذَنا من المَكَارِهِ.
قوله: {وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ} .
نَعَمْ. النَّاسُ كلُّهم يقرُّون بأنَّ اللهَ الخَالِقُ الرَّازقُ المدبِّرُ، ويعترفون بذلك، ولكنَّهم يَصْرِفُونَ شَيْئًا من العبادة لغير الله.
ففي الحديث: «وَآَمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا عَمَلِي، فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ. فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ» . رواه أَحْمَدُ والتِّرمذيُّ.
تَصَوَّرْ إِنْسَانًا عِنْدَهُ عَامِلٌ وقال: هذه مزرعتي، وَوَعَدَهُ بأن يُعْطِيَهُ الأُجْرَةَ، فكان يعمل عند جَارِهِ، ويترك مَزْرَعَةَ سَيِّدِهِ.
هذا في العقل قبل النَّقْلِ تَصَرُّفٌ يَدُلُّ على أنَّه ليس عنده عَقْلٌ.
تَصَوَّرْ عَامِلًا عِنْدَكَ وَتُعْطِيهِ الأُجْرَةَ ويعمل عند جارك؛ فاللهُ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا وهو المُعْطِي المَانِعُ الخَافِضُ الرَّافعُ، نَتْرُكُ عِبَادَتَهُ وَنَذْهَبُ إلى أَصْنَامٍ لا تَمْلِكُ شَيْئًا؟ فأين عُقُولُ هؤلاء الَّذين يعبدونها؟
قوله: {إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} .
أي: أنا نَذِيرٌ لكم عن هذا الشِّرك؛ لأنَّ اللهَ هو الإلهُ الحَقُّ الَّذي يستحقُّ العبادة، وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ مَأْلُوهٌ بَاطِلٌ.
قوله: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} .