{فراغ} أَيْ: ذَهَبَ خُفْيَةً وتسلَّل. وهذا من تَكْرِيمِهِ، وَفِيهَا وُجُوبُإكرام الضَّيف وَإيوائه. وهذا الوُجُوبُ إذا كان بِبَلَدٍ ليس فيه أماكن ينزل بها الأضيافُ.
{فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمَين} .
ذَكَرَ صِفَةً للعِجْلِ: {سمين} مِنْ حَيْثُ الخِلْقَةِ؛ وهو أَجْوَدُ ما عنده. و {حَنِيذ} من حيث صَنْعَتِهِ، وهذا كلُّه مِنْ تَكْرِيمإِبْرَاهِيمَ لأضيافه.
واستعجل أَهْلَهُ في صُنْعِ الطَّعَامِ للضُّيوف، وهذا أيضًا مِنَ الكرامة.
قوله: {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِم} .
قرَّب الطَّعامَ إليهم، ولم يقرِّبْهُمْإِلَيْهِ.
مِنْ آَدَابِ الضِّيَافَةِ أنَّالمضيفَ يأتي بالطَّعام للضيف في مكانه ومجلسه، لكن لو جَرَتِ العادة أن يُنْقَلَ الضَّيفُ إلى مكان الطَّعام فلا حَرَجَ فيه. وهذا أيضًا من الكرامة؛ أدنى الطَّعامَ منهم، وَوَضَعَهُ بين أيديهم، ولم يأمرهم.
وَمِنْ شِدَّةِ كَرَمِهِ بَاشَرَإكرامَهم بنفسه، وقدَّم لهم الطَّعامَ، وهو الَّذي أدخله ودعاهم.
قوله: {أَلَا تَأْكُلُون} .
حثَّهم على الأكل بطريقة الأدب؛ فلم يأمرهم، بل على سبيل العَرْضِ والتَّلَطُّفِ، وكلُّه من الكرامة.
قال ابنُ كَثِيرٍ: «وهذه الآيات انتظمت آدابَ الضِّيافة؛ فإنَّه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بِسُرْعَةٍ، ولم يَمْتَنَّ عليهم أوَّلًا، وَأَتَى بِأَفْضَلِ مَا وَجَدَ مِنْ مَالِهِ، وهو عِجْلٌ سَمِينٌ مَشْوِيٌّ، وقرَّبه إليهم، ولم يَأْمُرْهُمْ، وحثَّهم بطريقة الأدب.
قوله: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} .
لكنَّ إبراهيمَ مع هذا العَرْضِ الحَسَنِ، والكَرَمِ الواضح، لم يَجِدْ مِنْ ضُيُوفِهِ استجابةً لدعوته، فَأَوْجَسَ منهم خِيفَةً؛ خاف أن يكونوا أعداءً؛ لأنَّ الَّذي لا يأكل من الطَّعام معناه يُضْمِرُ شرًّا؛ فأضمرها لظنِّه أنَّهم أرادوا سُوءًا، ولكنَّ الملائكة لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ ولا تتناسل ولا تتناكح، بل عِبَادٌ مُكْرَمُونَ.
قوله: {لا تَخَفْ} .
طَمْأَنُوهُ لَمَّا رَأَوْا منه الخَوْفَ. فَكَشَفَ الملائكةُ عن حقيقتهم؛ أنَّهم رُسُلُ الله، وَبَشَّرُوهُ.
قوله: {وبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} .
كلُّ مَوْطِنٍ في القرآن وُصِفَ فيه وَلَدُإبراهيم بأنَّه عَلِيمٌ فالمرادُ به إسحاق، وكلُّ مَوْطِنٍ في القرآن وُصِفَ فيه وَلَدُإبراهيم بأنَّه حَلِيمٌ فالمرادُ به إسماعيل؛ لأنَّه بَلَغَ من حِلْمِهأنَّه قال لأبيه: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ به. وعليه فالصَّحيح أنَّالذَّبيحَإسماعيلُ.
وبشَّروه بأنَّ زَوْجَتَهُ «سَارَّةَ» سَتَلِدُ له ولدًا، سيكون من أهل العلم بالله وَبِدِينِهِ، وهو إسحاقُ عليه السَّلام.
قوله: {فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} .
أي: أقبلت سارَّةُ زَوْجَةُإِبْرَاهِيمَ في صَيْحَةٍ كَبِيرَةٍ، فَلَطَمَتْ وَجْهَهَا في تعجُّبٍ كيف تَلِدُ وَهِيَ عَجُوزٌ؟
قوله: {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيم} .
العادةُ أنَّالعجوزَ لاتلد كما في قوله: {قَالَتْيَاوَيْلَتَاأَأَلِدُوَأَنَاعَجُوزٌوَهَذَابَعْلِيشَيْخًا إِنَّهَذَالَشَيْءٌعَجِيبٌ} شَيْخٌ كَبِيرٌ في السِّنِّ، وَعَجُوزٌ كَبِيرَةٌ؛ فَذَكَرَتْ سَبَبَيْنِ من أسباب مَنْعِ الحمل؛ عَجُوزٌ وَعَقِيمٌ.
قوله: {قالوا كذلك} .
فبيَّنوا لها أنَّهذا الأَمْرَ خَارِقٌ للعادة، ولكن هكذا قال الله؛ أي: أَمَرَ اللهُ؛ «هكذا قال ربُّك» واللهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وسوف تلد ابنًا ويكون غلامًا عليمًا.
فإذا علمنا أنَّاللهَ عَلِيمٌ لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ وحَكِيمٌ يَضَعُ الأمورَ في مواضِعِهَا، إذًا فلا غَرَابَةَ ولا تَعَجُّبَ.