فقولُه: {ضَرَبَاللَّهُمَثَلًالِلَّذِينَكَفَرُوااِمْرَأَةَنُوحٍوَامْرَأَةَلُوطٍ} نُوحٌ أَوَّلُ الرُّسُلِ إلى أَهْلِ الأرض، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ كَافِرَةً.
وكذلك نَبِيُّ اللهِ لُوطٌ؛ فَرَغْمَ صُحْبَتِهِمَا ليلًا ونهارًا وأنهما يؤاكلانهما ويعاشرانهما أشدَّ العِشْرَةِ والاختلاط، مع ذلك لم يَنْفَعْهما بِسَبَبِ كُفْرِهِمَا.
قوله: {فَخَانَتَاهُمَا} أي: في الإيمان، لا في العِرْضِ؛ لأنَّ اللهَ صان فُرُشَ الأنبياء؛ فلا تكون زَوْجَةُ نَبِيٍّ خائنةً حتَّى ولو كانت كَافِرَةً.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «ما بَغَتْ زَوْجَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، إنَّما كانت خيانتهما في الدِّين فَقَطْ» .
قوله: {فَلَمْيُغْنِيَاعَنْهُمَامِنَاللَّهِشَيْئًاوَقِيلَادْخُلَاالنَّارَمَعَالدَّاخِلِينَ} بِسَبَبِ كُفْرِهِمَا؛ فكانتا مِنْ أَهْلِ النَّار.
قوله: {وَضَرَبَاللَّهُمَثَلًالِلَّذِينَآَمَنُوااِمْرَأَةَفِرْعَوْنَ} .
أمَّا المَثَلانِ اللَّذَانِ ضَرَبَهُمَا اللهُ للمؤمنين فأحدُهما امرأةُ فِرْعَوْنَ؛ فَقُرْبُهَا من الكافر لا يَضُرُّهَا شَيْئًا إذا تبرَّأت مِنْ دِينِهِ وَأَبْغَضَتْهُ، و ذلك إن صارت مع الكافر لِظَرْفٍ من الظُّروف.
وَوَجْهُ المَثَلِ أنَّ المرأةَ الصَّالحةَ في عِصْمَةِ الرَّجل الكافر لا تضرُّها صِلَتُهَا وسببُها بسبب كُفْرِهِ إذا تبرَّأت منه؛ لأنَّ الإنسانَ لا ينفعه إلاَّ عَمَلُهُ، ولا يَضُرُّهُ عَمَلُ غَيْرِهِ، ولا ينفعه عَمَلُ غَيْرِهِ، ولا يَضُرُّهُأيضًا إلاَّ عَمَلَهُ.
ويؤيِّدُهُ قَوْلُ اللهِ تعالى: {تِلْكَأُمَّةٌقَدْخَلَتْ لَهَامَاكَسَبَتْوَلَكُممَّاكَسَبْتُمْ وَلَاتُسْأَلُونَعَمَّاكَانُوايَعْمَلُونَ} .
قوله: {اِمْرَأَةَفِرْعَوْنَ} هِيَآَسِيَةُ بِنْتِ مُزَاحِمٍ. وفرعونُ من أَكْفَرِ خَلْقِ الله؛ ادَّعى الرُّبوبيَّة، وَكَفَرَ بموسى وهارون.
قوله: {رَبِّابْنِلِيعِنْدَكَبَيْتًافِيالْجَنَّةِ} .
قال ابنُ كَثِيرٍ: «طَلَبَتِ الجَارَ قَبْلَ الدَّارِ؛ فقد ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍأنَّها لمَّا اشْتَدَّ عليها العذابُ، كُشِفَ لها بَيْتُهَا في الجَنَّةِ فقالت هَذَا الدُّعَاءَ: وَنَجِّنِي من فرعون وعمله. أَيْ: خَلِّصْنِي مِنْهُ، وإنِّي أَبْرَأُإِلَيْكَ مِنْ عَمَلِهِ» .
تبرَّأتْ من فرعون ودينِه وقومِه، وَزَهَدَتْ في القصور، وفي فرعونَ، وفي الدُّنيا لمَّا تحقَّق الإيمانُ في قَلْبِهَا.
وإذا رَسَخَ الإيمانُ في القلوب، هَانَتْ على الإنسانِ نَفْسُهُ، وَزَهَدَ في الدُّنيا.
قوله: {وَنَجِّنِيمِنْفِرْعَوْنَوَعَمَلِهِوَنَجِّنِيمِنَالْقَوْمِالظَّالِمِينَ} .
طَلَبَتِ النَّجَاةَ مِنَ الكَفَرَةِ، والبُعْدَ عَنْهُمْ. وهذه هي نَتِيجَةُ الإيمانِ إِذَا رَسَخَ؛ البَرَاءَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وإن خَالَطَ الكفَّارَ لِظَرْفٍ من الظُّروف، و على نحومؤقَّت، فيجب عليه أن يتمسَّك بدينه، ولا يُدَاهِنَ الكفَّارَ، ولا يتنازلَ عن دينه، أو كونه يداري الكفَّار؛ فهذه رُخْصَةٌ من الله؛ {إلاَّ أن تتَّقوا منهم تُقَاةً} .
أمَّا من تَوَلَّى الكفَّارَ بِالمَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ؛ فَقَدْ تَبَرَّأَ اللهُ منه. يقول الله تعالى: {فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء} .
فَهُنَاكَ فَرْقٌ بين المُدَاهَنَةِ والمُدَارَاةِ، أمَّا المُدَارَاةُ: فَمُمْكِنٌأن تُعْطِيَهُمْ شَيْئًا من الدُّنيا؛ دَرْءًا لشرِّهم، وأمَّا المُدَاهَنَةُ: فيتنازل عن شيءٍ من دِينِهِ مِنْأَجْلِإِرْضَاءِ الكفَّار، وهذا مُحَرَّمٌ.
لذلك أَوْجَبَ اللهُ على المسلم الهِجْرَةَ مِنْ بِلادِ الكفَّار؛ فرارًا بِدِينِهِ ما أَمْكَنَهُ ذَلِكَ.
وفيه أيضًا أَنَّ زَوَاجَ المُسْلِمَةِ مِنَ الكافر مُحَرَّمٌ بالكتاب والسُّنَّةِ والإجماع؛ سَوَاءٌ كان الكافرُ وَثَنِيًّا أو يهوديًّا أو نصرانيًّا.
وقد أجمع المسلمون على تحريم زَوَاجِ المُسْلِمَةِ مِمَّنْ ليس على دينها.
فلا الْتِفَاتَ لِمَنْ خَالَفَ ذلك، وَمَنِ ارْتَبَطَتْ بِكَافِرٍ فَهِيَ زَانِيَةٌ، وَإِنْ سمَّت زِنَاهَا نِكَاحًا.
وفيه أيضًا أنَّ بَعْضَ النِّساء اللاَّتي يتزوَّجنَ رجلًا لا يصلِّي ولا يصوم، وتبقى في عصمته، ولا تتبرَّأُ منه تتضرَّر به يَوْمَ القيامة؛ لأنَّ المَرْءَ على دين خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْأحدُكم من يخالل.