وفي الحديث الصَّحيح: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» . متفق عليه. وَحَدِيثِ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا، تَكُنْ فِتْنَةُ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» . التِّرْمِذِيُّ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاس لا يَعْبَأُ بِهَذِهِ الأُمُور؛ فَيَنْظُرَ إلى مَنْصِبِهِ وَمَالِهِ وَجَاهِهِ ويخالف أَمْرَ الله ورسوله، فجنى على المرأة بِمَنْ لا يَعْرِفُ ربَّه، ولا يَعْرِفُ دِينَهُ.
قوله: {وَمَرْيَمَابْنَتَعِمْرَانَ} .
الصِّنْفُ الثَّالِثُ من النِّسَاءِ في المَثَلِ هو المرأةُ العَزَبُ الَّتي لا زَوْجَ لها، وهي مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ؛ فلم يضرَّها عِنْدَ الله؛ لِكَوْنِهَا لم تتزوَّج، ولم يضرَّها قَذْفُ اليَهُودِ لَهَا وَابْنِهَا أَعْدَاءِ الله، وَتُهَمُهُمُ البَاطِلَةُ.
فَهِيَ الصِّدِّيقةُ الكبرى، والمُصْطَفَاةُ على نساء العالمين، حينما حصَّنت فَرْجَهَا؛ فلا يضرُّ الرَّجُلَ الصَّالِحَ والمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ قَدْحُ الفُجَّارِ والفُسَّاقِ فِيهِمْ.
عِمْرَانُ هو عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إسرائيل وعُبَّادِهِمْ، وَبَيْتُهُ بَيْتُ صَلاحٍ، وَمَاتَ عِمْرَانُ وَمَرْيَمُ صَغِيرَةٌ، فتنازع بنو إسرائيل في كَفَالَتِهَا مِنْ بَعْدِهِ؛ مَنِ الَّذِي يَكْفُلُهَا بَعْدَأَبِيهَا، فَاحْتَكَمُوا إلى القُرْعَةِ، فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لِزَكَرِيَّا - عليه السلام -، وَكَانَ زَوْجَ خَالَتِهَا، فكفَّلها.
وذلك بِتَيْسِيرِ الله وَتَوْفِيقِهِ لِمَرْيَمَ، فَنَشَأَتْ عنده، ولمَّا كَبُرَتْ وَبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّساء، اتَّخذت ساترًا بينها وبين الرِّجال، واعتزلت النَّاسَ؛ لِتَعْبُدَ رَبَّهَا.
وَظَهَرَتْ عليها علاماتُ السَّعادة؛ لأنَّ زَكَرِيَّا - عليه السلام - كان يشاهد عِنْدَهَا رِزْقًا يوميًّا. وهذا من كرامات الأولياء، وكانت الملائكةُ تكلِّمُ مَرْيَمَ تَمْهِيدًا لها لِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ.
ففي البداية الملائكةُ بَشَّرَتْ مَرْيَمَ باصطفاء الله لها، مِنْ بَيْنِ سَائِرِ نِسَاءِ عَالَمِي زَمَانِهَا، وَهَذِهِ تَهْيِئَةٌ لها لما سيأتيز
وَأَمَرَتْهَابِكَثْرَةِ العبادة، والقُنُوتِ، والسُّجُودِ، والرُّكُوعِ؛ لتكون أهلًا لهذه الكرامة، وَلِتَحَمُّلِ البلاءِ.
قوله: {الَّتِيأَحْصَنَتْفَرْجَهَا} .
أي: حَفِظَتْهُ وَصَانَتْهُ؛ فلم يَمْسَسْهَا بَشَرٌ. والإحصانُ هو العَفَافُ.
فكافأها اللهُ على عِفَّتِهَا وَصَلاحِهَا، فاختارها اللهُ لِيَكُونَ مِنْهَاوَلَدٌ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وبُشِّرَتْ بأن يكون نبيًّا شريفًا، ويكلِّمَ النَّاسَ في المَهْدِ؛ أي: في صِغَرِهِ، يَدْعُوهُم إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وكذلك في حَالِ كُهُولَتِهِ.
وأيَّدهُ اللهُ بِمُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةٍ؛ فقد بُعِثَ في زَمَنِ الأَطِبَّاءِ وَأَصْحَابِ عِلْمِ الطَّبيعة، فجاء إليهم مِنَ الآَيَاتِ مَا لا سَبِيلَ لأَحَدٍ إليه، إلاَّ أن يَكُونَ مُؤَيَّدًا من الَّذي شَرَعَ الشَّريعة سبحانه وتعالى.
فَمِنْ أَيْنَ للطَّبيب قُدْرَةٌ على إِحْيَاءِ الجَمَادِ، أو على مداواةِ الأَكْمَهِ والأَبْرَصِ، وَبَعْثِ مَنْ هو في قبره رَهِينٌ إلى يوم التَّناد كما فَعَلَ؟ وَلِذَلِكَ كلُّ معجزةٍ يَقْرِنُهَا عِيسَى- عليه السَّلام - بإذن الله؛ أي: بِقُدْرَةِ اللهِ.
قوله: {فَنَفَخْنَافِيهِمِنْرُوحِنَا} .
أي: بِوَاسِطَةِ المَلَكِ؛ وَهُوَ جِبْرِيلُ - عليه السلام -؛ فإنَّ اللهَ بَعَثَهُ إِلَيْهَا، فَتَمَثَّلَ لها في صُورَةِ بَشَرٍ سَوِيٍّ على أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَأَحْسَنِ هَيْئَةٍ، فاعْتَصَمَتْ بربِّها واستعاذت منه، فأخبرها أنَّه رَسُولُ رَبِّهَا.
وَأَمَرَهُ اللهُ - تعالى - أَنْ يَنْفُخَ بِفِيهِ في جيب دِرْعِهَا، فنزلت النَّفْخَةُ فَوَلَجَتْ في فَرْجِهَا، فكان منه الحَمْلُ بعيسى - عليه السَّلامُ - مِنْ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
{مِنْرُوحِنَا} قال الفَوْزَانُ: أي: الرُّوحَ المَخْلُوقَةَ من رُوحِ اللهِ.
المَخْلُوقَةُ؛ فَلَيْسَ عِيسَى ابْنَ اللهِ، أَوْ بَعْضًا مِنْهُ، إِنَّمَا هو خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ، وَمِنْ عِبَادِ اللهِ؛ خَلَقَهُ اللهُ.
وَلِذَلِكَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ قَالَ: «إِنِّي عَبْدُ اللهِ» . فَنَزَّهَ جَنَابَ رَبِّهِ عَنِ الوَلَدِ، وَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ العُبُودِيَّةَ لِرَبِّهِ.