فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 581

وجهاد المنافقين أخصُّ باللِّسان؛ بِدَحْضِ شُبُهَاتِهِمْ، وَرَدِّأَبَاطِيلِهِمْ.

فهذِهِ ثلاثةَ عشرَ مرتبةً من الجهادذكرها ابنُ القَيِّمِ. «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النَّفَاقِ» . رواه مسلم.

قوله: {وَاغْلُظْعَلَيْهِمْ} لأنَّه إذا تَسَاهَلَ معهم، زَادَ شَرُّهُمْ؛ فَمَصِيرُهُمْ في الدُّنيا عَدَمُ التَّساهل معهم.

قوله: {وَمَأْوَاهُمْجَهَنَّمُوَبِئْسَالْمَصِيرُ} أي: في الآخرة مصيرُهم نَارُ جَهَنَّمَ؛ فَيُعَاقِبَ اللهُ الكَافِرَ والمُنَافِقَ على عَدَاوَتِهِ لله ورسوله، وَعَلَى كُفْرِهِ.

قوله: {ضَرَبَاللَّهُمَثَلًالِلَّذِينَكَفَرُوااِمْرَأَةَنُوحٍوَامْرَأَةَلُوطٍ} .

اشْتَمَلَتْ هذه الآَيَاتُ على ثلاثة أَمْثَالٍ؛ مَثَلٍ للكفَّار، وَمَثَلَيْنِ للمؤمنين؛ فَذُكِرَ ثَلَاثَةُأَصْنَافٍ من النِّساء؛ الكافرة في عصمة المؤمن، والمرأة الصَّالحة في عصمة الكافر، والمرأة العَزَبِ الَّتي لا زَوْجَ لها.

فأمَّا صِلَةُ المرأة الكافرة بالرَّجل الصَّالح، فَصِلَتُهَا لا تَنْفَعُهَا، وَسَبَبُهَا بِسَبَبِ الكُفْرِ.

وَلِذَلِكَ لَمَّا بَيَّنَ اللهُ مَا َحَصَلَ مِنْ بَعْضِأَزْوَاجِ النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مَطْلَعِ السُّورَةِ وَعَاتَبَ اللهُ الزَّوْجَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ على ما حَصَلَ منهما مع النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - خُتِمَتِ السُّورَةُ بضرب مَثَلَيْنِ.

أحدُهما يحذِّر عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ - رضي الله عنهما - ويخوِّفهما من التَّظاهر على النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وإذا لم يُطِعْنَ الله ورسولَه لم ينفعهنَّ اتِّصالهن برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما لم يَنْفَعْ زَوْجَتَيْ نُوحٍ وَلُوطٍ، ثمَّ ضَرَبَ لهما المَثَلَ الثَّانِي يحرِّضُهُمَا على الطَّاعة.

وأيضًابَيَّنَ - سبحانه - أنَّ عِلاقَةَ الكافر بالمسلم في النَّسَبِ والمُصَاهَرَةِ لا تَنْفَعُهُ؛ فلو نَفَعَتْ صِلَةُ القرابة والمصاهَرة والنِّكاح، لَنَفَعَتْ زَوْجَتَيْ نوحٍ وَلُوطٍ.

فلا اتِّصالَ أَعْظَمُ من اتِّصال البنوَّة والأُبُوَّة والزَّوجيَّة، ولم تنفع ابْنَ نُوحٍ، ولم تَنْفَعْأباإبراهيم ولم تنفع امْرَأَتَيْ نُوحٍ وَلُوطٍ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ من الله شيئًا.

فكلُّ الأَسْبَابِ والصِّلاتِ والمودَّات تنقطع يوم القيامة إلاَّ ما كان منها مُتَّصِلًا بالله.

وفي هذه الآَيَةِأيضًا رَدٌّ على الَّذين يعتمدون على الصَّالحين؛ فقد كان أَصْلُ ضَلَالِ بَنِي آَدَمَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إذا رَكِبُوا المَعَاصِيَ وَخَالَفُوا أَمْرَ الله، أو كفروا بالله وتعلَّقوا بصلاح غيرهم مِنْ قَرِيبٍ أو وَلِيٍّ، أنَّه يَنْفَعُهُمْ يَوْمَ القيامة، أو يُجِيرُهُمْ من عذابٍأَلِيمٍ أو يشفع لهم عند الله.

وكلُّ ذَلِكَ شِرْكٌ وَضَلالٌ. فَقَطَعَتِ الآيةُ مَطْمَعَ كلِّ مَنْ رَكِبَ كفرًا أو معصيةً أو مخالفةً شَرْعِيَّةً، ورجا أن ينفعه صَلاحُ غَيْرِهِ من قَرِيبٍ أو بَعِيدٍ، فبيَّنت أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ.

وَمِنْ ثَمَّفزوجتا نُوحٍ وَلُوطٍ لم يَنْفَعْهُمَا عِلاقَةُ الزَّوجيَّة، وهي مِنْأَشَدِّ أَنْوَاعِ الاتِّصال؛ فلا اتِّصَالَ فَوْقَ البنوَّة أو الأبوَّة أو الزَّوجيَّة. يَقُولُ اللهُ تعالى: {لَنتَنفَعَكُمْأَرْحَامُكُمْوَلَاأَوْلَادُكُمْ يَوْمَالْقِيَامَةِيَفْصِلُبَيْنَكُمْ} .

أَقْرَبُ النَّاس يَفِرُّ منه الإنسانُ في الدُّنيا إذا كان عنده مُشْكِلَةٌ يَنْجُو منها بِقَرَابَةٍ أو صَدَاقَةٍ.

{هاأَنتُمْهَؤُلَاءِجَادَلْتُمْعَنْهُمْفِيالْحَيَاةِالدُّنْيَافَمَنيُجَادِلُاللَّهَعَنْهُمْيَوْمَالْقِيَامَةِأَممَّنيَكُونُعَلَيْهِمْوَكِيلًا}

وقد ذَكَرَ اللهُ ابْنَ نُوحٍ لمَّا خَالَفَ دِينَأَبِيهِ وَصَارَ مع الكفَّار؛ غَرِقَ وَلَمْ يَنْفَعْهُأنَّه ابْنُ نَبِيٍّ من الأنبياء بِسَبَبِ كُفْرِهِ، ولم يَنْفَعْهُ النَّسَبُ.

وهذا أبو إبراهيم خَلِيلِ الرَّحمن لمَّا أَصَرَّأَبُوهُ على الكُفْرِ، لم تَنْفَعْهُأُبُوَّتُهُ لابْنِهِإِبْرَاهِيمَ بِسَبَبِ كُفْرِهِ.

وإنَّ الإِنْسَانَ لا يَنْفَعُهُإِلاَّ عَمَلُهُ، ولا يَنْفَعُهُ عَمَلُ غَيْرِهِ، ولو بالشَّفاعة، ولو كان نبيًّا، ما دام أنَّه غَيْرُ مُؤْمِنٍ. فما تنفعه شفاعةُ الشَّافِعِينَ.

فمن كان على دين الكفَّار أو لا يتبرَّأ من دينهم ويقول: «النَّاسُ سَوَاءٌ، وإنَّهم أَحْرَارٌ في عقائدهم، وكلٌّ له قناعةٌ» . فهذا إِلْحَادٌ؛ لأنَّه يُسَوِّي بين الكفر والإسلام والتَّوحيد والشِّرك.

أمَّا المَثَلُ الَّذي ضَرَبَهُ اللهُ للكفَّار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت